هل يقبل الإسلام الديمقراطية؟
السؤال: هل يتبنّى الإسلام الديمقراطيَّة لأنّها كما يقولون أفضل نظامٍ لإدارة الصراعات، لإدارة التنوّع، لضمان الحقوق والحريّات، أفضل نظام يمكن أن يواكب تطوّر المجتمع، يمكن أن يواجه التحدّيات رغم كلّ عيوبه.. هل يمكن للتشيّع أن يتبنّى الديمقراطيَّة كمنهج دينيّ وثقافيّ يؤدلج الشيعة به؟
الإجابة:
يتناول السؤال جوانب متعدّدةً تتعلّق بالدمج بين الديمقراطيَّة كآليّة سياسيَّة لإدارة التعدّد والتنوّع، وبين الإسلام كدين له نظامه العقائديّ والثقافيّ والاجتماعيّ، ومن الصعب علينا في هذه المساحة المحدودة تقديم مقاربةٍ أو مقارنةٍ بشكلٍ موضوعيٍّ وحياديّ؛ ولذا سوف نختصر الإجابة بقدر الإمكان في نقاط محدّدةٍ ومضغوطةٍ، وبخاصّة أنّ هناك الكثير من الكتب والدراسات التي تناولت هذه المسألة مفصّلاً وبمقارباتٍ مختلفةٍ ومتنوّعة.
في المبدأ وبحسب التصوّر النظريّ تعني الديمقراطيَّة الحكم الذي يستند إلى إرادة الشعب من خلال الانتخابات والمؤسّسات التمثيليَّة، وتتعلّق هذه الفكرة في جوهرها بالمشاركة الجماعيَّة في صنع القرار، الأمر الذي قد يجعلها تلتقي في بعض جوانبها مع مبدأ الشورى في الإسلام، قال تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38].
وهنا يأتي السؤال: هل الإسلام قادرٌ على استيعاب الديمقراطيَّة؟
للإجابة على هذا السؤال لابدّ من مراجعة الديمقراطيَّة على مستوى المفاهيم والقيم، وعلى مستوى الآليّات والممارسة التطبيقيَّة، ومن ثَمَّ دراسة كلّ ذلك وفقاً للضوابط العامّة التي يفرضها الإسلام على المفاهيم والقيم والممارسات السلوكيَّة.
رغم أنّ الديمقراطيَّة تعتبر النظام السياسيّ المفضّل عالميّاً في إدارة التنوّع، إلّا أنّها ليست نظاماً مثاليّاً، وتواجه العديد من الإشكالات على المستوى النظريّ والعمليّ، وسوف نكتفي هنا بالجانب النظريّ لكونه يمثّل الجانب الفكريّ بعيداً عن المماحكات السياسيَّة المثارة في ساحتنا العربيَّة والإسلاميَّة، فالديمقراطيَّة على مستوى المفهوم تتعلّق بعدّة جوانب فلسفيَّة وأخلاقيَّة ترتبط بأسس النظام الديمقراطيّ وطريقة عمله، وهنا نشير إلى بعض تلك الإشكالات بشكل مختصر:
1ـ إرادة الأغلبيّة مقابل الحقيقة أو العدالة:
الديمقراطيَّة تقوم على حكم الأغلبيَّة، حيث يتمّ اتّخاذ القرارات بناءً على تصويت الأغلبيَّة، وهنا يبرز إشكال مفاهيميّ: هل الأغلبيَّة دائماً على حقّ؟
فحكم الأغلبيَّة لا يعني بالضرورة تحقيق العدالة أو الوصول إلى الحقيقة، فالأغلبيَّة قد تتخذ قراراتٍ غير عادلةٍ أو غير أخلاقيَّةٍ تجاه الأقليّات، أو قد تكون مضلَّلة بفعل العواطف أو التأثير الإعلاميّ، وفي كثيرٍ من الأحيان قد تتطلّب العدالة المطلقة اتّخاذ قراراتٍ تخالف رغبة الأغلبيَّة، ممّا يضعف إمكانيَّة التوفيق بين إرادة الأغلبيَّة والعدالة أو الصواب.
2ـ النسبيَّة الأخلاقيَّة:
الديمقراطيَّة تسمح بإمكانيَّة تغيير القوانين والتشريعات بناءً على إرادة الأغلبيَّة أو الظروف الاجتماعيَّة المتغيّرة، الأمر الذي يفتح الباب أمام النسبيَّة الأخلاقيَّة، حيث تصبح القوانين الأخلاقيَّة مرهونة بتصويت الأغلبيَّة، وهنا يبرز إشكال يتعلّق بفقدان القيم الثابتة التي قد تتعرّض للتغيير أو التعديل بناءً على التقلّبات السياسيَّة.
3ـ التوافق بين الديمقراطيَّة والحرّيَّة:
الديمقراطيَّة تفترض وجود حرّيَّة التعبير وحرّيَّة تكوين الآراء، لكنّ هذه الحرّيَّة يمكن أن تؤدّي إلى استقطاب سياسيّ أو تلاعب بالإعلام، ممّا يقود إلى نتائج لا تعكس الإرادة الحقيقيَّة للشعب، مضافاً إلى أنّ الحرّيَّة المطلقة قد تؤدّي إلى الفوضى، وتفتح الباب أمام الخطابات المتطرّفة التي تستغلّ الديمقراطيَّة للوصول إلى السلطة، وبالتالي تقويض النظام الديمقراطيّ نفسه.
4ـ إشكاليَّة فصل الأخلاق عن السياسة:
في الديمقراطيّات الحديثة، هناك ميل لفصل الأخلاق عن السياسة، حيث يتمّ التركيز على الإجراءات القانونيَّة والمؤسساتيَّة بعيداً عن القيم الأخلاقيَّة الدينيَّة أو الفلسفيَّة، وهذا يؤدّي إلى إشكال مفاهيميّ يتعلّق بقدرة الديمقراطيَّة على تحقيق الخير العام إذا كانت القرارات السياسيَّة تُتخذ بمعزل عن الأطر الأخلاقيَّة الثابتة.
5ـ الحياد الافتراضيّ للديمقراطيَّة:
الديمقراطيَّة تدّعي أنّها نظام محايد يسمح بتعدّد الآراء والأفكار، لكنّ هذا الحياد ليس دائماً موجوداً فعليّاً، فهناك عوامل عدّةٌ تؤثّر في تحييد الإرادة الشعبيَّة، مثل: وسائل الإعلام، اللوبيَّات الاقتصاديَّة، التمويل السياسيّ، ممّا يجعل القرارات أكثر عرضةًللتلاعب، وبالتالي تقويض الأساس النظريّ للديمقراطيَّة القائمة على الاختيار الحرّ والمساواة.
فمن أبرز عيوب الديمقراطيَّة الحديثة أنّ العمليَّة الانتخابيَّة ليست محايدة تماماً، فوسائل الإعلام تلعب دوراً رئيسيّاً في تشكيل الرأي العام، وغالباً ما تكون مموَّلةً من قبل شركاتٍ أو أفرادٍ ذوي مصالح معيَّنة، وهذا يؤدّي إلى تلاعب في القرارات التي يتّخذها الناخبون، بحيث لا تكون معبّرةً بالضرورة عن إرادة الشعب الحقيقيَّة، كذلك التمويل السياسيّ الذي تقدّمه الشركات الكبرى والمصالح الاقتصاديَّة قد يؤثّر بشكلٍ مباشرٍ على السياسات والقوانين، ممّا يخلق نوعاً من التبعيَّة لصالح القلّة بدلاً من خدمة الأغلبيَّة.
6ـ الإشكال المعرفيّ:
الديمقراطيَّة تفترض أنّ الأفراد يمتلكون القدرة المعرفيَّة الكافية لاتّخاذ قرارات سياسيَّة صحيحة، ولكن هذا ليس بالضرورة صحيحاً دائماً، فهل يمتلك جميع الأفراد مستوى كافٍ من المعرفة والخبرة لاتّخاذ قرارات تتعلّق بمصير الدولة؟
هذا الإشكال يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الديمقراطيَّة هي النظام الأنسب في مجتمع يفتقر إلى المعرفة السياسيَّة العميقة.
7ـ الشرعيَّة المستمدَّة من الشعب مقابل الشرعيَّة الإلهيَّة:
في الديمقراطيّة، الشرعيّة تستمدّ من إرادة الشعب، بينما في النظم الدينيّة - كالإسلام – تستمدّ الشرعيّة من الإرادة الإلهيّة، وهنا يتواجه مفهوم الديمقراطيّة مع بعض المفاهيم الدينيّة التي ترى أنّ الله تعالى هو مصدر التشريع، وليس الإنسان، الأمر الذي يؤدّي إلى طرح إشكاليّة مفاهيميّة حول مصدر السلطة، وما إذا كانت الديمقراطيّة تستطيع أن تحقّق توازناً بين إرادة الشعب والإرادة الإلهيّة في المجتمعات الدينيّة.
في مقابل الإشكالات المفاهيميّة التي تعاني منها الديمقراطيّة، يمكن تسليط الضوء على النظام الإسلاميّ ومميّزاته فيما يتعلّق بنفس هذه النقاط، وبذلك تتّضح الفروق الجوهريّة بينهما:
1ـ إرادة الأغلبيّة مقابل الحقيقة أو العدالة:
مع أنّ الإسلام يراعي رأي الأغلبيّة، إلّا أنّه يرى العدالة المطلقة تستمدّ من التشريعات الإلهيّة التي تمثّل مرجعيّات ثابتة ومطلقة للعدالة والأخلاق، فالشريعة توفّر إطاراً أخلاقيّاً لا يتغيّر وفق أهواء أو رغبات الناس، بل يعتمد على ما أمر الله به في القرآن والسنّة لتحقيق العدالة الشاملة بين الناس، بغضّ النظر عن رأي الأغلبيّة أو الأقلّيات.
2ـ النسبيّة الأخلاقيّة:
القيم في الإسلام ليست نسبيّة أو قابلة للتغيير بناءً على الظروف السياسيّة أو الاجتماعيّة، فقيم مثل: العدل، الأمانة، الرحمة، العفّة، الشرف، الكرامة، الصدق، وغيرها تعتبر أساساً للحياة الاجتماعيّة والسياسيّة، ولا يمكن التلاعب بها أو تغييرها حسب رغبات المجتمع. وتوجد أجوبة سابقة حول النسبيّة بشكل عام والنسبيّة الأخلاقيّة على موقع المركز يمكن مراجعتها.
3ـ التوافق بين الديمقراطيّة والحريّة:
الإسلام يدعو إلى حرّيّة التعبير وحرّيّة التفكير، لكنّ هذه الحرّيّة تكون دائماً محكومة بمبادئ أخلاقيّة تحمي المجتمع من الانحراف والفوضى، فالحريّة في الإسلام تُمارس ضمن حدود الشريعة التي تمنع الفوضى والتطرّف، وتضمن حماية القيم والمبادئ التي تُبقي المجتمع متماسكاً أخلاقيّاً ودينيّاً. وتوجد أجوبة سابقة في مقاربة الحريّة إسلاميّاً على موقع المركز يمكن مراجعتها.
4ـ فصل الأخلاق عن السياسة:
في النظام الإسلامي، الأخلاق والدين متلازمان مع السياسة، والحاكم في التصوّر الإسلاميّ يجب أن يراعي القيم والأخلاق الإسلاميّة، فهناك رقابة متبادلة بين عامّة الشعب وبين الحاكم، فإذا حاد الحاكم عن القيم أرجعه الشعب إليها، وإذا حاد الشعب عن القيم أرجعه الحاكم إليها، فالإسلام يرى الأخلاق هي الأساس لكلّ القرارات السياسيّة، فكلّ القوانين والأحكام تنبع في النظام الإسلاميّ من مبادئ العدالة والرحمة والصدق التي أرساها الله تعالى، وليس من مصالح ماديّة أو دنيويّة فقط.
5ـ الحياد الافتراضيّ للديمقراطيّة:
الإسلام ليس مجرّد نظام يدير المجتمع سياسيّاً، وإنّما هو نظام عقائديّ وأخلاقيّ وتربويّ، فقبل أن يقيم نظاماً سياسيّاً يقيم مجتمعاً مؤمناً ونزيهاً، وبذلك تصبح خيارات المجتمع وما يشكّل رأي الأغلبيّة فيه قائم على الحقّ والعدل وبعيد عن المصالح والتنافس الشيطانيّ، وبذلك يصبح الإسلام النظام الأكثر شمولاً ومعرفةً بطبيعة الإنسان المركّبة والمعقّدة جدّاً، فالنظام الإسلاميّ ضمن هذا التصوّر لا يتأثّر بالمصالح الماليّة أو الإعلاميّة أو الضغوط الاقتصاديّة، فسيادة المسلم من أهمّ المبادئ التي أرساها الإسلام، وعلى مستوى النظام العام الذي يحكم الأمّة الإسلاميّة حرَّم الإسلام الخضوع والاستسلام أو موالاة الأنظمة الكافرة أو المناوئة للإسلام.
6ـ الإشكال المعرفيّ:
في النظام الإسلاميّ، الحكم يكون مبنيّاً على علم الشريعة والفهم العميق للنصوص الدينيّة، فالحكم في الإسلام يُناط بأشخاص يتمتّعون بقدر كافٍ من العلم بالشريعة والعدل والخبرة، وليس بمجرّد تصويت الأغلبيّة غير المؤهّلة أو التي قد تكون مضلَّلة.
7ـ الشرعيّة المستمدَّة من الشعب مقابل الشرعيّة الإلهيّة:
في النظام الإسلاميّ، الشرعيّة العليا لله وحده. الحكم في الإسلام يكون بتطبيق شرع الله تعالى، وليس بما تراه الأغلبيّة أو حسب مصالح الأفراد، وهذا يعطي النظام الإسلاميّ ثباتاً واستقراراً في القوانين والأحكام، حيث لا تتغيّر التشريعات حسب الظروف أو المزاج العام، بل تظلّ دائماً موجّهة نحو تحقيق مصلحة الإنسان وفقاً لمراد الله تعالى.
وفي المحصّلة، يقدّم النظام الإسلاميّ رؤية متكاملة تجمع بين العدالة المطلقة، القيم الأخلاقيّة الثابتة، والحرّيّة المسؤولة، مع الحفاظ على توازن بين الحكم الإلهيّ واحتياجات المجتمع، هذه الميزات تجعل النظام الإسلاميّ قادراً على تحقيق العدالة والاستقرار الاجتماعيّ والسياسيّ بشكل أفضل مقارنةً بالديمقراطيّة التي تعتمد على نسبيّة الأخلاق وتأثير الأغلبيّة.
وكإجابة مباشرة للسؤال يمكن أن نقول:
إنّ الإسلام، بما في ذلك التشيّع، يمكن أن يقبل بعض جوانب الديمقراطيّة المتعلّقة بالشورى وإدارة التنوّع، بشرط أنْ تتوافق مع المبادئ الإسلاميّة، إلّا أنّ الإسلام لا يتبنّى الديمقراطيّة في صورتها الغربيّة المطلقة، حيث إنّ الحكم في الإسلام يستند إلى الشريعة وليس إلى إرادة الأغلبيّة المتغيّرة، والشورى الإسلاميّة تهدف إلى تحقيق العدالة والحرّيّة المسؤولة ضمن إطار القيم الإسلاميّة الثابتة، وليس بناءً على النسبيّة الأخلاقيّة أو التحكّم الإعلاميّ والماليّ. لذلك، يمكن للإسلام أن يقبل الديمقراطيّة المعدَّلة التي تراعي الشريعة وتضمن حقوق المجتمع وفق المبادئ الإسلاميّة.
اترك تعليق