هل تنفي آية: {وروح منه} بشرية عيسى (ع)؟
السؤال: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} [النساء: 171]، يقول البعض شارحاً هذه الآية: {وروح منه}: خلايا المسيح لا تتكوّن من مكوّناتٍ أرضيّةٍ، ولا جاءت من كروموسومات، هي كلمةٌ إلهيّةٌ وروحٌ من الله، لم تأتِ من حيوانٍ منويٍّ وبويضة أنثويّة، خلاياه حسب القرآن ليست خلايا بشريّة، فكيف يكون بشراً؟ هل تتحمّل الآية هذا المعنى؟
الجواب:
يتجاوز هذا الادّعاء المعنى الصحيح للنصوص القرآنيّة، ويُحمّل الآية ما لا تحتمله من معانٍ. ولفهم الآية فهماً سليماً، لا بدّ من تناول مفهومي (الكلمة) و**(الروح)** كما وردا في القرآن، فنقول:
أوّلاً: مفهوم (الكلمة) في القرآن:
وردت (الكلمة) بمعانٍ مختلفةٍ في عدّة مواضع من القرآن الكريم، ومن بينها إشارة إلى جميع مخلوقات الله، كما في قوله تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} [الكهف: 109]. ومن الواضح أنّ الكلمات الإلهيّة تتفاوت فيما بينها من حيث المنزلة والأهمّيّة، ويُعدّ عيسى (ع) من أبرز كلمات الله؛ لِمَا له من خصوصيّةٍ تميّزه عن غيره، فهو خُلق من غير أبٍ.
وعندما ذكر الله سبحانه وتعالى في الآية: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ} [النساء: 171]، فإنّ الكلمة تشير إلى أمر الله الذي يتحقّق بغير واسطةٍ بشريّةٍ، كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [النحل: 40]، فالكلمة هنا ليست جسديّةً أو ماديّةً، بل هي إرادة الله التي تحقّقت بقدرته.
والفرق بين خلق عيسى (ع) وخلق بقيّة البشر هو أنّ إرادة الله وأمره تعلّقا بخلق عيسى مباشرةً دون تدخّل الأب؛ ليكون معجزةً دالّةً على قدرة الله وعظيم مشيئته، يقول تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [آل عمران: 59]. توكّد هذه الآية أنّ خلق عيسى (ع) مشابه لخلق آدم (ع)، حيث خلقه الله بأمره {كُن فَيَكُونُ}، دون حاجةٍ لأسبابٍ طبيعيّةٍ بشريّةٍ معتادةٍ، ومع ذلك يبقى بشراً مخلوقاً من الله تعالى.
وقد نبّه صدر الآية على ضرورة الحذر من الغلوّ في طبيعة عيسى (ع)، كما قال سبحانه: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ} [النساء: 171].
وفي هذا السياق، يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ:
(لقد حصرت الآية بنوّة السيّد المسيح (ع) بمريم (ع) في قوله: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ}، وهذه الإشارة إلى البنوّة - التي وردت في ستّة عشر موضعاً من القرآن الكريم - تؤكّد أنّ المسيح (ع) إنسانٌ كسائر الناس. لقد خُلق في بطن أمه، ومرّ بمراحل الجنين كما يمرّ بها كلّ إنسان، وولد من بطن مريم (ع) كما يولد البشر. كما مرّ بفترة الرضاعة، وتربّى في حجر أمّه، ممّا يثبت أنّه امتلك صفات البشر كاملة. فكيف يمكن - وحالة المسيح (ع) هذه - أن يكون إلهاً أزليّاً أبديّاً، وهو في وجوده محكوم بالقوانين الطبيعيّة الماديّة ويتأثّر بها؟!)
ويضيف الشيخ في تفسيره أنّ عبارة الحصر {إِنَّمَا} في قوله: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} تؤكّد أنّ عيسى (ع) ابن مريم وحدها، وإنْ لم يكن له أبٌ، وهذا الحصر ينفي أيّ فهمٍ خاطئٍ قد يؤدّي إلى القول بأنّه ابن الله، ويُثبت أنّه بشر خلقه الله بمعجزته وقدرته الإلهيّة.
[ينظر: تفسير الأمثل ج3 ص551].
وثانياً: معنى (روح منه):
ومعنى قوله تعالى: {وَرُوحٌ مِّنْهُ}: أنّ روح عيسى (ع) مخلوقةٌ من عند الله تعالى خلقاً وتكويناً، وهي روحٌ مكرَّمةٌ ومشرَّفةٌ عنده سبحانه. فالآية - بحسب ما يذهب إليه المفسّرون من جميع الفرق الإسلاميّة - واردةٌ في بيان التشريف والتكريم الحاصل لعيسى (ع)، وليست واردة في بيان أنّ عيسى (ع) جزءٌ من الله كما يظنُّ الخرّاصون.
ومِـمّا يؤيّد أنّ الجارّ والمجرور في {منه} لا يصحُّ حمله على معنى الجزئيّة، أنّ الله تعالى ذمّ مَن نسب إليه جزءاً من مخلوقاته، قال تعالى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً} [الزخرف: 15]، فهذه الآية تُبيّن بوضوح فساد عقيدة مَن يتوهّم أنّ لله تعالى أجزاءً أو مكوّنات، وهو سبحانه وتعالى مُنزَّهٌ عن ذلك، فلا يُشبهه شيءٌ، ولا يُقاس بذاته أحد، قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
وثالثاً:
هناك العديد من الآيات القرآنيّة التي تؤكّد أنّ عيسى (ع) كان بشراً كسائر البشر، مخلوقاً لله تعالى، ومرَّ بمراحل الحياة البشريّة الطبيعيّة.
يقول تعالى: {مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} [المائدة: 75].
فالأكل والشرب من علامات الاحتياج البشريّ، ممّا يثبت أنّ عيسى (ع) وأمّه مريم (ع) كانا بشرَينِ محتاجَينِ للطعام كسائر الناس.
ويقول تعالى على لسان عيسى (ع): {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} [مريم: 33]، حيث تدلّ الآية على أنّ عيسى (ع) مرَّ بمراحل الحياة الطبيعيّة، من ولادةٍ ووفاةٍ وبعثٍ، ممّا يقطع بأنّه بشرٌ كغيره من الناس.
وفي المحصّلة، الآية الكريمة {وَرُوحٌ مِّنْهُ} تشير إلى خصوصيّة عيسى (ع)، وليس إلى نفي بشريّته. فالآية لا تتعارض مع كونه بشراً، بل تؤكّد على الكرامة الخاصّة التي منحها الله تعالى له.
اترك تعليق