الحسن بن موسى النوبختي وموقفه من إمامة الإمام المهدي (عليه السلام)

السؤال: ذكر البعض بأنَّ الحسن بن موسى النوبختيّ كان منكراً لإمامة الإمام المهديّ (عليه السلام) لأنَّه في كتابه (فرق الشيعة) يستدلُّ على وجود الإمام المهديّ من دون التطرُّق لحديث الاثني عشر. كما أنّه لم يتطرَّق للأحاديث التي تنصُّ على رقم المهديّ بالنسبة لغيره من الأئمّة، كالرابع من ولد الرضا. كما أنّه لم يذكر الأحاديث التي تذكر من رآه حين الولادة. كما أنّه قال بأنَّ الحجّة في عقب الحسن العسكريّ وأنها مستمرّة في عقبه ما اتَّصلت أمور الله تعالى، كما أنّه لم يتطرَّق إلى ذكر اسم الإمام المهديّ بل وتحريمه ذلك. فإنَّ هذه الأمور المذكورة تدلُّ على إنكاره أو جهله بإمامة الإمام المهديّ؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الملاحَظ في هذا السؤال أنَّه تضمَّن خمس نقاطٍ أساسيّةٍ أوهمت السائل بأنَّ النوبختيّ يُنكر إمامة الإمام المهديّ (عليه السلام)، ولذا سنناقش هذه النقاط من خلال أمورٍ ثلاثة، فنقول ومن الله عزَّ وجلَّ نستمدُّ التوفيق:

الأمر الأوَّل: يزعم صاحب الإشكال بأنَّ النوبختيّ يُنكر إمامة الإمام المهديّ (عليه السلام)، لعدم ذكره لحديث الأئمّة الاثني عشر، وعدم تعرُّضه للأحاديث التي تنصُّ على تسلسله المبارك في الإمامة، كالرواية التي تنصُّ على أنَّ المهديّ هو الرابع من ولد الرضا (عليه السلام)، أو تلك التي تتحدَّث عمَّن رآه وشاهده.

غير أنَّ السائل قد غفل ـ أو تغافل ـ عن أنَّ كتاب النوبختيّ المشار إليه ليس من مصنَّفات الحديث أو كتب السِّير والتراجم، وإنّما هو كتابٌ يتناول الفرق والمذاهب، ويندرج ضمن كتب علم الملل والنحل، كما هو واضحٌ من محتواه وموضوعه. وعليه، فإنَّ عدم ذكر النوبختيّ لتلك الروايات لا يُمكن أنْ يُعدَّ دليلاً على إنكاره أو عدم إيمانه بإمامة الإمام المهديّ (عليه السلام)، إذْ أنَّ موضوع الكتاب لا يقتضي ذكر تلك الروايات بالأصل.

والخلاصة: إنَّ عدم ذكره (طاب ثراه) لتلك الروايات لا يعني أنّه لم يكن يعتقد بها، ولا يدلُّ على إنكاره أو جهله بالإمام المهديّ (عليه السلام)، كما هو واضحٌ وبيِّن.

الأمر الثاني: يدَّعي صاحب السؤال بأنَّ النوبختيّ يعتقد باستمرار الإمامة دون انقطاع، استناداً إلى قوله بأنَّ الحجّة ستبقى في عقب الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) ما دامت أمور الله جارية. إلَّا أنَّ هذا الفهم غير دقيقٍ، بل هو خاطئٌ جزماً، إذْ أنَّ مراد النوبختيّ (طاب ثراه) أنَّ الحجّة الإلهيّة بعد الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) هي في ولده الإمام المهديّ (عليه السلام)، وهي مستمرّة بوجوده الشريف، انطلاقاً من القاعدة المعروفة بعدم خلوّ الأرض من الحجّة، وإلَّا لساخت بأهلها كما ورد في عددٍ من الروايات. وهذه من المسلَّمات العقائديّة عند الشيعة، بل إنَّ من يراجع نصوص النوبختيّ مباشرةً يُدرك مدى التحريف والافتراء الذي تعرَّض له كلامه.

قال (طاب ثراه):

(وقالت الفرقة الثانية عشرة وهم الإماميّة: ليس القول كما قال هؤلاء كلهم [أي جميع فرق الشيعة غير الإماميّة]، بل لله (عزَّ وجلَّ) في الأرض حُجّةٌ من ولد الحسن بن عليّ، وأمر الله بالغ، وهو وصيٌّ لأبيه على المنهاج الأوَّل والسنن الماضية، ولا تكون الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام)... وهذا الذي ذكرناه هو المأثور عن الصادقين الذي لا تدافع له بين هذه العصابة ولا شكَّ فيه، لصحّة مخرجه وقوَّة أسبابه وجودة أسانيده، ولا يجوز أنْ تخلو الأرض من حجّةٍ، ولو خلت ساعةً لساخت الأرض ومن عليها، ولا يجوز شيءٌ من مقالات هذه الفرق كلّها، فنحن مستسلمون بالماضي وإمامته، مقرُّون بوفاته، معترفون بأنَّ له خَلَفاً قائماً من صلبه، وأنَّ خَلَفَه هو الإمام من بعده حتَّى يظهر ويعلن أمره كما ظهر وعلن أمر من مضى قبله من آبائه، ويأذن الله في ذلك... إلى قوله: فهذا سبيل الإمامة والمنهاج الواضح اللاحب الذي لم تزل الشيعة الإماميّة الصحيحة التشيّع عليه) [فرق الشيعة ص108].

الأمر الثالث:

إنَّ ما ذكره السائل من عدم تصريح المؤلِّف باسم الإمام (عليه السلام) واعتقاده بحرمة ذلك، يُظهر جهلاً واضحاً عنده، نظراً لوجود خلافٍ بين علماء الشيعة حول هذه المسألة. فبعضهم يرى حرمة التصريح بالاسم الشريف، استناداً إلى عددٍ من الروايات الناهية عن ذلك، بينما يرى آخرون الجواز، معتبرين تلك الروايات خاصَّة بظروف التقية والخوف على الإمام (عليه السلام).

وعليه، فإنَّ ما ذهب إليه المؤلِّف من القول بالحرمة ليس أمراً مستنكَراً، بل يوافق رأي عددٍ كبيرٍ من علماء الإماميّة الذين تبنَّوا القول بالحرمة.

قال (طاب ثراه):

(ولا يجوز ذكر اسمه ولا السؤال عن مكانه حتَّى يُؤمر بذلك، إذْ هو (عليه السلام) مغمورٌ خائفٌ مستورٌ بستر الله تعالى، وليس علينا البحث عن أمره، بل البحث عن ذلك وطلبه محرَّم لا يحلُّ ولا يجوز، لأنَّ في إظهار ما سُتر عنَّا وكشفه إباحة دمه ودمائنا، وفي ستر ذلك والسكوت عنه حقنهما وصيانتهما، ولا يجوز لنا ولا لأحدٍ من المؤمنين أنْ يختاروا إماماً برأيٍ واختيار، وإنَّما يُقيمه الله لنا ويختاره ويظهره إذا شاء، لأنَّه أعلمُ بتدبيره في خلقه وأعرفُ بمصلحتهم، والإمام (عليه السلام) أعرف بنفسه وزمانه منَّا.... وقد قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) وهو ظاهر الأمر معروف المكان لا يُنكر نسبه ولا تخفى ولادته، وذكره شائعٌ مشهورٌ في الخاص والعام: «من سمَّاني باسمي فعليه لعنة الله».... فكيف يجوز في زماننا هذا مع شدَّة الطلب وجور السلطان وقلَّة رعايته لحقوق أمثالهم، مع ما لقي (عليه السلام) من صالح بن وصيف وحبسه وتسميته من لم يظهر خبره ولا اسمه وخفيت ولادته، وقد رُويت أخبارٌ كثيرةٌ أنَّ القائم تُخفى على الناس ولادته، ويخمل ذكره ولا يُعرف، إلَّا أنَّه لا يقوم حتَّى يظهر ويُعرف أنَّه إمامٌ ابن إمامٍ ووصيٌّ ابن وصيٍّ، يُؤتمُّ به قبل أنْ يقوم) [فرق الشيعة ص110].

جلالة النوبختيّ وحُسن اعتقاده:

لا يخفى أنَّ جميع الأعلام الذين ترجموا للحسن بن موسى النوبختيّ أثنوا على جلالته ووثاقته وعلوِّ شأنه، من غير أنْ يلمِّحوا إلى شكِّه أو جهله في أمر الإمامة، وإلَّا فلا معنى للإكثار من المدح والثناء على رجلٍ يجهل إمام زمانه! ومن هنا، فإنَّ إطراء العلماء عليه ورفع منزلته من دون أي طعنٍ أو غمزٍ فيه يُعدُّ دليلاً على سلامة عقيدته، ومنها إيمانه بإمامة صاحب الزمان (عليه السلام) كما هو واضح.

قال النجاشيّ (طاب ثراه):

(الحسن بن موسى أبو محمَّد النوبختيّ شيخنا المتكلِّم، المُبرَّز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة وبعدها... إلى قوله: له كتاب فرق الشيعة، وكتاب الردّ على فرق الشيعة ما خلا الإماميّة) [رجال النجاشيّ ص63].

وكذلك وصفه ابن شهر آشوب (طاب ثراه) بأنَّه: (فيلسوف إماميّ) [معالم العلماء ص68].

بل وصفه بذلك ـ أيضاً ـ ابن حجر العسقلانيّ، حيث قال:

(الحسن بن موسى النوبختيّ أبو محمَّد من متكلِّمي الإماميّة، وله تصانيف كثيرةٌ جداً، ذكره الطوسيّ في رجال الإماميّة) [لسان الميزان ج2 ص258].

كما أنَّ تعبيرهم عنه بأنَّه (حَسَنُ الاعتقاد) يدلُّ على أنَّه يعتقد بجميع الأئمّة، ومنهم الإمام المهديّ (عليه السلام)، وإلَّا فلا يكون حَسَناً من جهة العقيدة لو كان مُنكِراً أو جاهلاً بإمام زمانه.

قال الشيخ الطوسيّ (طاب ثراه) في حقِّه:

(الحسن بن موسى النوبختيّ، ابن أخت أبي سهل بن نوبخت، يُكنّى أبا محمَّد، متكلِّم فيلسوف، وكان يجتمع إليه جماعة من نقلة كتب الفلسفة، مثل أبي عثمان الدمشقيّ، وإسحاق، وثابت وغيرهم، وكان إماميّاً حَسَنَ الاعتقاد) [الفهرست ص96].

وقال العلّامة الحلّيّ (طاب ثراه) فيه:

(الحسن بن موسى النوبختيّ، ابن أخت أبي سهل بن نوبخت، يُكنّى أبا محمَّد، متكلِّم فيلسوف، وكان إماميّاً حَسَنَ الاعتقاد، ثقة) [خلاصة الأقوال ص100].

بقي شيء:

يرى بعض المحقِّقين أنَّ كتاب (فرق الشيعة) عبارة عن نسخة مختصرة عن كتاب (المقالات والفرق) لسعد بن عبد الله الأشعريّ القمّيّ، وليس كتاباً مستقلاً. فقد قال السيّد محمَّد رضا الحسينيّ في دراسةٍ عن هذا الموضوع ما هذا نصُّه:

(ويحصل من مجموع هذا قياسٌ ينتج: أنَّ (فرق الشيعة) ليس للنوبختيّ، وإنَّما هو مأخوذ من كتاب الأشعريّ. وباجتماع هذه القرائن الأربع، وتأكُّد بعضها ببعض، يتحصَّل الاطمئنان بما ذهبنا إليه من أنَّ (فرق الشيعة) ليس إلَّا نسخة مختصرة من (مقالات) الأشعريّ، وليس هو النصّ الكامل لكتاب الأشعريّ) [مجلّة تراثنا ج1 ص48].

النتيجة النهائيَّة:

إنَّ دعوى الشكّ أو الجهالة لأبي محمَّد الحسن بن موسى النوبختيّ (رضوان الله عليه) بإمامة الإمام المهديّ (عليه السلام) مخالفةٌ للأدلَّة البيّنة، كما أوضحنا ذلك... والحمد لله ربِّ العالمين.