سبب هجرة جعفر إلى الحبشة
السؤال: ما هو سبب هجرة جعفر بن أبي طالبٍ (عليه السلام) إلى الحبشة؟ هل كان الخوف كما يُقال، وهو لم يكن ضعيفًا ليخاف؟ أم ذهب في شأنٍ آخر أغفله التاريخ؟
الجواب:
إنّ طلب النبيّ (صلى الله عليه وآله) من المسلمين الهجرة إنّما كان للمستضعفين منهم الذين تعرّضوا للتعذيب والاضطهاد. وأمّا جعفر بن أبي طالب (عليه السلام)، فلم يُعذَّب؛ فإنّ قريشًا كانت تخشى والده أبا طالب، وإنّما بعثه النبيُّ مع المسلمين ليكون أميرًا عليهم، يُرشدهم ويدافع عنهم إذا ما حاولت قريش تشويه صورتهم لدى ملك الحبشة، وفعلاً كان خير قائدٍ وخيرٍ مرشدٍ لهم، وقد وقف بوجه عتاة قريش الذين حاولوا ثني ملك الحبشة عن استضافتهم، ونجح في كسب ودّ الملك، فنال المسلمون هناك عطفه وكرمه.
فقد وجّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) رسالةً إلى ملك الحبشة مع عمرو بن أمية الضمريّ جاء فيها: «قد بعثتُ إليكم ابن عمّي جعفر بن أبي طالب، معه نفر من المسلمين، فإذا جاؤوك فأقِرّهم...» [إعلام الورى ص46، البداية والنهاية ج3 ص83].
وجاء في الخبر عن أبي موسى: «أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي...» [البداية والنهاية ج3 ص70].
الملاحظ أنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) يجعل المحوريَّة في هذه الهجرة في جعفر بن أبي طالب، ففي خطابه لملك الحبشة يقول: «بعثتُ إليكم ابن عمّي جعفر بن أبي طالب، معه نفر من المسلمين»، فكان المهاجرون مع جعفر، وهذا تعبيرٌ عن كونه أميرًا عليهم. ونجد في رواية أبي موسى: «أمرنا رسول الله (ص) أن ننطلق مع جعفر...»، دلالةً واضحةً على أمارة جعفر ورئاسته عليهم.
وقد جاء التصريح بذلك في كلمات بعض العامّة:
قال ابن سعد [ت 230هـ]: (قال محمد بن عمر: وقد رُوي لنا أن أميرهم في الهجرة إلى أرض الحبشة جعفر بن أبي طالب)
[الطبقات الكبرى ج4 ص31].
وقال النووي [ت 676هـ] في ترجمته:(كان هو وأصحابه سبب إسلام النجاشي، رحمه الله، وارتفق المسلمون بجعفر هناك واعتضدوا به، وكان جعفر أميرهم في الهجرة...) [تهذيب الأسماء ج1 ص148].
وكذلك جاء التصريح بذلك في كلمات بعض الإماميّة:
قال السيد جعفر مرتضى العاملي:(نعتقد أن هجرة جعفر إلى الحبشة لم تكن بسبب تعرّضه للتعذيب من قبل قريش، فقد كانت قريش تخشى مكانة أبي طالب وتراعي جانبه وجانب بني هاشم بصورة عامة، وإنما أرسله النبيّ (ص) مع المهاجرين ليكون أميرًا عليهم، ومدبّرًا لأمورهم، ومشرفًا على شؤونهم ومصالحهم، وحافظًا لهم من أن يذوبوا في هذا المجتمع الجديد، كما كان الحال بالنسبة إلى ابن جحش الذي تنصّر في الحبشة) [الصحيح من سيرة النبي ج3 ص246].
وجاء في كتاب [جعفر بن أبي طالب ص79] من تأليف محمد جواد الغبان، وتحرير الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء: (إنّ النبي (ص) هو الذي أمره بالهجرة مع المهاجرين، لا خوفًا عليه، ولكن ليكون أميرًا عليهم، فيتولّى إدارة شؤون المهاجرين من جهة، ويكون ممثّلًا عن النبي ليقوم بنشر الدعوة وتفهيم مبادئها من جهة أخرى.
وفي جعفر من المؤهلات ما أوقع اختيار النبي لتلك المهمة عليه دون سواه؛ إذ إنه يعهد فيه من رجاحة العقل، وأصالة الرأي، وتفهّم مبادئ الإسلام، ما لم يتسنّ لغيره، فاختاره النبي كممثّل عنه في تلك البلاد، وغير خافٍ أن النبي لم يأمر المسلمين بالهجرة لمجرّد دفع الأذى عنهم، بل أراد أيضًا أن يبثّ دعوته في الأنحاء والأقطار، وعلى هذا أرسل فيهم ابن عمّه جعفرًا ليقوم بتلك المهمّة.
وإذا كان التاريخ لم يذكر إمارة صريحة لجعفر على المسلمين في الهجرة، فإنّ الحوادث التي وقعت للمهاجرين هناك تقرّ بذلك، وتشهد لجعفر بأنّه كان لسان المهاجرين وقائدهم ومرشدهم، وسيرى القارئ في الفصل الآتي ما يؤيّد هذه الدعوى.
وقد ورد في ثنايا كتب التاريخ ما يشير إلى ذلك؛ إذ أورد ابن سعد في الطبقات... وذكر ابن كثير في تاريخه... وفي غير هذين الكتابين شيء كثير من التلميح والإشارات، ممّا لو ضممناه إلى الحوادث لأعلمنا علمًا قطعيًا بأنّ جعفرًا كان أمير المهاجرين إلى الحبشة).
والحمد لله رب العالمين.
اترك تعليق