هل يلزم من حفظ الشريعة عدالة جميع الصحابة؟
السؤال: لا يقصد العامَّة من العدالة في قولهم (جميع الصحابة عدول) عدم الوقوع في المعاصي وارتكاب شيءٍ منها، وإنَّما بمعنى أنَّ جميعهم ثقاتٌ ضابطون، يقبل منهم كلَّ ما يروون عن رسول الله (ص) بلا نظرٍ في عدالتهم؛ لأنَّهم حفظة الشريعة ونقلتها، والطعن فيهم تشكيكٌ فيها وإبطال لها. فهل توجد ملازمة بين عدالة جميع الصحابة وحفظ الشريعة؟
الجواب:
للجواب عن السؤال لا بُدَّ من تفصيل الكلام في عدة محاور:
الأوّل: وقفة على قول العامَّة في عدالة الصحابة:
نظرية عدالة جميع الصحابة من الأصول والركائز المهمَّة التي بُنيت عليها مدرسة العامَّة، إذ يرى العامَّة أنَّ الصحابة هم الأساس للوقوف على معالم الدين، وتلقي الشريعة الإسلاميَّة، وفهم الكتاب والسُنَّة، فذهبوا إلى القول بعدالتهم، يقول ابن حجر العسقلاني: (اتفق أهل السُنَّة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة) [الإصابة ج1 ص23].
وقد صرَّح بعض أرباب التحقيق عندهم: أنَّه ليس المقصود من العدالة في المقام العصمة أو النزاهة عن المعاصي والآثام وجملة المساوئ، وإنَّما المقصود منها الوثاقة، أي: امتناع صدور الكذب منهم عن رسول الله (ص)، أو التحريف والتبديل والتغيير والابتداع، أو الدس والتدليس، وما شاكل مما يُعدّ كذباً على رسول الله (ص) وخيانة للدين.
فتكون الصحبة عند العامَّة آية الوثاقة، وقولهم: (جميع الصحابة عدول) من قبيل التوثيقات العامَّة، وبالتالي قبول جميع ما يقوله الصحابة ويروونه عن رسول الله (ص) من غير إعمالٍ لضوابط الجرح والتعديل في حقهم، أو النظر في أحوالهم.
يقول اللكنهويُّ: (وقد تجيء العدالة بمعنى ما يقابل الكذب في الرواية، فيقال: لمن هو مجتنبٌ عنه: عادلٌ بعد أنْ يكون مسلماً عاقلاً، وإنْ لم يكن سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة، وبهذا المعنى يقال: إنَّ الصحابة كلّهم عدول، حتى من دخل منهم في المشاجرات والمخاصمات. وفهم مِن قولهم هذا جمعٌ من أبناء عصرنا أنّهم معصومون عن الكبائر، محفوظون عن جملة الصغائر، فلم يُسلّموا هذه الكليَّة، وقالوا: الصحابة بعضهم عدول وبعضهم ليسوا بعدول، وهو قول فاسد مبنيّ على فهم كسيد) [ظفر الأماني ص486].
ويقول الدكتور عبد النصير المليباريّ: (ليس المراد بالعدالة المذكورة في قول أهل السنة: «الصحابة كلهم عدول» أنَّهم معصومون عن الذنوب، كما هو معتقد أهل السنة جميعاً، ولا أنّه لم يصدر عن أحد منهم كبيرةٌ أو خارم مروءة، أو أنَّ الذين وقع منهم ذلك تابوا منه فور ارتكابهم. قلنا: إنه ليس المراد هو هذا لثبوت ارتكاب الكبيرة في حقّ بعضهم في الواقع، وإنكارُ ذلك مكابرةٌ وتكذيبٌ للواقع، ولست أحبّ ذكرها... بل المراد - إن شاء الله - ظنّ الصدق في روايتهم.. وعدم تعمّدهم الكذب على النبيّ (ص) وإنْ صدر منهم ما صدر ممّا هو مخل بالعدالة الأصوليَّة، وذلك لا يقلل من شأنهم أبداً..) [تحقيق معنى العدالة في تعديل جميع الصحابة ص100].
وههنا نلفت القارئ إلى أنّ العامَّة وإنْ كانت لا تقول بعصمة الصحابة ونزاهتهم عن المعاصي والمساوئ، إلَّا أَّن المتتبّع تطبيقاتهم لنظرية عدالة الصحابة على صعيد الأصول والفروع، وكلماتهم - وهي كثيرةٌ - في كتب العقيدة، والرجال والتراجم وغيرها، يجدهم يتعاملون معهم على أنّهم كذلك، فيجعلون للصحبة موضوعيةً توجب الرفعة والقداسة، حتّى عدّوا حبّهم جميعاً لازم، وتعظيمهم قاطبة واجب، وبغض أحدهم كفر ونفاق، وذكر جرائر بعضهم انتقاصاً موجباً للزندقة والخروج عن الملة بقطع النظر عما بدر منهم، أو شجر بينهم، بل ويجب حمل ذلك على الحسن، والتماس المخارج لهم.
يقول أبو زرعة: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله (ص)، فاعلم أنَّه زنديقٌ، وذلك أنَّ الرسول (ص) عندنا حق، والقرآن حق، وإنَّما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله (ص)، وإنَّما يريدون أن يجرحوا شهودنا؛ ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أَولى، وهم زنادقة) [الكفاية في علم الرواية ص67].
ويقول الطحاويُّ: (ونحبُّ أصحاب رسول الله (ص)، ولا نفرِط في حبّ أحدٍ منهم، ولا نتبرأ من أحدٍ منهم، ونبغض مَن يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلَّا بخير، وحبُّهم دينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ، وبغضهم كفرٌ ونفاقٌ وطغيانٌ) [العقيدة الطحاوية وشرحها ص101].
يقول أبو الحسن الأشعريُّ: (وندين بحبّ السلف الذين اختارهم الله لصحبة نبيه، ونثني عليهم..). ويقول أيضاً: (وكلُّ الصحابة أئمةٌ مأمونون غير متهمين في الدين.. وتعبدنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم والتبري من كل من تنقّص أحداً منهم) [الإبانة عن أصول الديانة ص241، وص625].
يقول القيروانيُّ: (ويجب أنْ لا يذكر أحدٌ من صحابة رسول الله (ص) إلَّا بأحسن ذكر، والإمساك عمّا شجر بينهم، وأّنهم أحق الناس أنْ يلتمس لهم أحسن المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب) [الرسالة الفقهية ص80].
ويقول القاضي الإيجي: (يجب تعظيم الصحابة كلهّم، والكفُّ عن القدح فيهم) [المواقف ص413].
إلى غير ذلك الكثير من كلماتهم الظاهرة في تقديس الصحابة، والتي تمنحهم الحصانة، وترفعهم إلى منازل الصفوة من الأتقياء، والذي يتناقض مع ما ذكروه في تحرير معنى العدالة في قولهم: (جميع الصحابة عدول).
وعلى أيَّة حالٍ فلسنا في صدد بسط الكلام في ذلك ههنا؛ إذ لا يسعنا المقام لذلك بقدر ما كنَّا بصدد الإشارة إليه؛ لتعرض السائل الكريم له في مضمون السؤال.
الثاني: تقريب استدلال العامَّة بدليل «حفظ الشريعة» على عدالة جميع الصحابة:
وقد استدلّ العامَّة على هذه النظرية بنصوصٍ شرعيّةٍ لا تخلو من نقضٍ وإشكالٍ، للمركز أجوبة عديدة حولها. وبالإضافة إليها: استدلوا بما يعرف باسم (دليل حفظ الشريعة)، وهو المشار إليه في السؤال، وهو مقتبس من كلام أبي زرعة الرازيّ المتقدّم.
وتقريبه: أنّ الله تعالى قضى أنْ تكون شريعة نبينا (ص) خاتمة الشرائع، ولازمه – بمقتضى حكمة الله تعالى - أن تكون محفوظةً إلى يوم الدين، ومن كان عليهم المعول في حفظ الشريعة وحملها ونقلها هم الصحابة، فيلزم - بالضرورة - توثيقهم جميعاً، وقبول كل ما يروونه؛ لأن الطعن فيهم لازمه الطعن والتشكيك في الشريعة الواصلة إلينا عنهم ككل؛ فإنَّ الجرح والطعن في الناقل جرحٌ وطعنٌ في المنقول، وهذا إبطال للدين، وخلف المفروض من ضرورة حفظ الشريعة وصيانتها.
الثالث: نقض دليل حفظ الشريعة على عدالة جميع الصحابة:
في الحقيقة ما ساقوه لا ينساق، وبطلانه واضحٌ من جهاتٍ عديدة:
الأولى: أساس هذا الاستدلال مبنيٌّ على دعوى أنّ المعوَّل عليه في حمل الشريعة وحفظها ونقلها هم الصحابة، والحال أنّه ادعاءٌ باطلٌ لا صحة له، وبالتالي الاستدلال ساقط ٌمن رأس.
فمن جهةٍ أدلة الإمامة حاكمة بأنَّ الله تبارك وتعالى قد نصب أشخاصاً معصومين مطهرين بوصفهم خلفاء النبيّ (ص)، وورثة علمه، أوصياءً على الدين والشريعة، عليهم المعول في حفظها وحملها ونقلها وبيانها وتبيانها وتفصيلها، وهم عليٌّ والأئمة من أهل البيت (ع)، فهم الطريق الحق إلى الشريعة المحمديّة.
وأما الصحابة فشأنهم شأن عامة المسلمين من التابعين وأتباعهم، ولا موضوعية للصحبة في البين، فهم مكلفون بحفظ الحق وعدم كتمانه، ويخضعون لضوابط الجرح والتعديل، فإن ثبت أنَّ أحدهم ممن استقام على الجادة كان محلاَ للثقة، وإلَّا فلا.
ومن جهةٍ أخرى قد ثبت بالفعل عند الفريقين أنَّه قد وقع من كثيرٍ من الصحابة التضييع، والتبديل، والتغيير، والإحداث، والابتداع، حتى لم يبق منهم على المحافظة والجادة إلا كهمل النَّعم، يقول تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144].
فروى كلٌّ من البخاريِّ ومسلم عن أبي حازم أنه قال: «سمعتُ سهل بن سعد يقول: سمعتُ النبيّ (ص) يقول: أنا فرطكم على الحوض، من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ليرد علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم. قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش - وأنا أحدّثهم هذا -، فقال: هكذا سمعتَ سهلاً؟ فقلتُ: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدريّ، لسمعته يزيد فيه قال: إنّهم مني، فيقال: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي» [صحيح البخاري ج8 ص87، صحيح مسلم ج7 ص66].
وروى البخاريُّ عن عبد الله عن رسول الله (ص) أنه قال: «أنا فرطكم على الحوض، وليُرفعنَّ رجال منكم ثم ليُختلجنَّ دوني، فأقول: يا رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» [صحيح البخاري ج7 ص206].
وروى البخاريُّ أيضاً عن أبي هريرة عن رسول الله (ص) أنَّه قال: «بينا أنا قائمٌ فإذا زمرةٌ حتى إذا عرفتهم خرج رجلٌ من بيني وبينهم، فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله! قلتُ: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى. ثم إذا زمرةٌ، حتى إذا عرفتهم خرج رجلٌ من بيني وبينهم فقال: هلم، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم» []صحيح البخاريّ ج7 ص208–209].
وروى أيضاً عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، أنه قال: «لقيتُ البراء بن عازب، فقلت: طوبى لك صحبت النبيّ (ص) وبايعته تحت الشجرة!، فقال: يا ابن أخي إنك لا تدري ما أحدثنا بعده» [صحيح البخاريّ ج5 ص66].
وروى أيضاً عن مهدي غيلان عن أنس أنه قال: «ما أعرف شيئاً مما كان على عهد النبيّ (ص)، قيل: الصلاة! قال: أليس ضيعتُم ما ضيعتُم فيها؟!»
وروى أيضا عن الزهريّ أنه قال: «دخلتُ على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئاً مما أدركتُ إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت» [صحيح البخاريّ ج1 ص134].
وروى أيضاً عن الأعمش أنه قال: «سمعتُ سالماً قال: سمعتُ أم الدرداء تقول: دخل عليّ أبو الدرداء وهو مغضبٌ، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف من أمة محمد (ص) شيئاً إلا أنَّهم يصلون جميعاً» [صحيح البخاري ج1 ص159].
وروى ابن حنبل عن أبي عمران الجونيّ، يقول: «سمعتُ أنس بن مالك، يقول: ما أعرف شيئاً اليوم مما كنَّا عليه على عهد رسول الله (ص)، قال: قلنا له فأين الصلاة، قال: أولم تصنعوا في الصلاة ما قد علمتم» [مسند أحمد ج3 ص101].
فكيف يُدّعى بعد هذا أنّ الصحابة هم المعول عليهم في حفظ الشريعة ونقلها وأن جميعهم عدول لأجل ذلك؟!
الثانية: لا خلاف بين أرباب الحديث عند العامَّة في اشتراط العدالة في الراوي بمعناها المعروف، أي: عدم الفسق والاستقامة على جادة الشريعة وترك منافيات المروءة، وعلَّلوا ذلك بأنه صيانة للدين، وللنهي عن اتباع سبيل المفسدين، ولقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].
يقول ابن كثير: (يأمر تعالى بالتثبّت في خبر الفاسق ليحتاط له؛ لئلَّا يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر كاذباً أو مخطئاً، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه، وقد نهى الله عن اتباع سبيل المفسدين، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقبلها آخرون لأنَّا إنَّما أمرنا بالتثبّت عند خبر الفاسق، وهذا ليس بمحقق الفسق لأنه مجهول الحال) [تفسير ابن كثير ج7 ص371].
ويقول الجرجانيُّ: (وجوزوا ذلك ـ النظر في عدالة الراوي واستقامته على الجادة وضبطه ـ صيانةً للدين) ويقول في معرض حديثه عن شروط الراوي: (الأول العدالة والضبط؛ فالعدالة أن يكون الراوي بالغاً مسلماً عاقلاً سليماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة) [ظفر الأماني ص484–486].
ويقول اللكنهويُّ: (لو لم يجز ـ النظر في عدالة الراوي واستقامته على الجادة وضبطه ـ لما تميز الصادق من الكاذب، والفاسق من العادل، والمغفل من الضابط، واختلطت الأحاديث الصحيحة بالسقيمة، وقامت الملاحدة والزنادقة من كل جانب للإفساد في الشريعة وهذا من فروع قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات وهو مأخوذ من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}، والعدالة مقابلة بالفسق، وهي مفسرةٌ بملكةٍ تحمله على التقوى والانزجار عما يجعله فاسقاً شرعاً، أو خفيفاً ذليلاً في أعين الناس) [ظفر الأماني ص484–487].
فما بال القوم - والحال هذه - عندما وصلت بهم النوبة إلى الصحابة ذهبوا إلى قبول الرواية عنهم مطلقاً، ومنح الثقة لجميعهم، والأخذ عن كلّ من هبَّ ودبَّ منهم دون النظر في حالهم البتة، معللين ذلك بأنَّه صيانةٌ للدين وحفاظٌ على الشريعة! فإن هذا من التناقض والتهافت بمكان؛ إذ لم نعد نعلم بأيّ شيءٍ تصان الشريعة، أ بالنظر في استقامة الراوي على الجادة، أم بعدم ذلك؟!
هذا فضلاً عن أنَّ توثيقهم للجميع وقبولهم رواية الجميع - رغم اعترافهم بأن منهم الفساق وذوي الكبائر - هو اجتهادٌ في قبال النص، وتمردٌ صارخٌ على القرآن الكريم، فإن الآية المتقدمة التي تتحدث عن خبر الفاسق وتأمر بلزوم التثبت لمحل الفسق مطلقة لا تستثني أحداً، ولا تفرق بين صحابيٍّ وغير صحابي، وبين إخبار عن النبيّ (ص) أو إخبار عن غير النبيّ (ص)، بل أساساً هي قد نزلت في أحد الصحابة؛ وهو: (الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط) وقصته معروفة، وهو ما يجعل القوم الذين ذهبوا إلى منح الثقة لجميع الصحابة في معرض قوله سبحانه: {آللهُ أذِنَ لكُم أمْ عَلَى اللهِ تفترُون} [يونس: 59].
الثالثة: لو سلمنا ما سبق، وقلنا بصحة الاستدلال الذي ساقه القوم، فإنّه يرد عليهم: أنّ دليلهم أخصّ من المدعى؛ وذلك لأنّ حفظ الشريعة ليس منوطاً ولا متوقفاً على جميع الصحابة، بل يمكن لذلك أن يتحقق بالبعض، وبالتالي لا معنى ولا مبرر لتوثيق الجميع، لا سيما وأنه لم يكن جميع الصحابة من أهل العلم وحملة الشريعة، وإنَّما كان ذلك متيسراً لخصوص من أحاط بالنبيّ (ص) ولازمه، أو لازم ملازميه.
يقول ابن خلدون في هذا الصدد: (إن الصحابة كلهم لم يكونوا أهل فتيا، ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم، وإنَّما كان ذلك مختصاً بالحاملين للقرآن، العارفين بناسخه ومنسوخه، ومتشابهه ومحكمه، وسائر دلالته، بما تلقوه من النبيّ (ص)، أو ممن سمعه منهم ومن عليتهم، وكانوا يُسمَون لذلك القراء، أي: الذين يقرأون الكتاب؛ لأن العرب كانوا أمة أمية، فاختص من كان منهم قارئاً للكتاب بهذا الاسم؛ لغرابته يومئذ، وبقي الأمر كذلك صدر الملة..) [تاريخ ابن خلدون ج1 ص446].
الرابعة: أنّ القول بعدالة جميع الصحابة لأجل حفظ الشريعة يلزمه لوازم فاسدة وتوالي باطلة لا يقول بها أحد:
منها: يلزم من ذلك القول بعدالة جميع التابعين؛ لأجل حفظ الشريعة أيضاً؛ إذ الذين تلقوا من الصحابة هم التابعون، والصحابة ليسوا خالدين، فيلزم ـ من أجل حفظ الشريعة ـ أن يُقال بعدالة جميع التابعين؛ لأنهم الذين تلقوا الشريعة من الصحابة، ثم هكذا لأتباع التابعين؛ لأنهم حملة الشريعة من بعدهم.
ومنها: أن القول بعدالة جميع الصحابة لأجل حفظ الشريعة يلزمه القول بعدالة جميع صحابة الأنبياء السابقين أصحاب الشرائع؛ لأجل حفظ شرائعهم ولو إلى الجيل اللاحق.
وهذان الأمران لا يلتزم بهما أحدٌ، مع أنهما لازمين للقول بعدالة جميع الصحابة بناءً على دليل حفظ الشريعة.
إذن: يتضح مما سبق بطلان نظرية (عدالة جميع الصحابة)، وبطلان دليل (الملازمة بين حفظ الشريعة وبين عدالة جميع الصحابة)، فإنّ حال الصحابة حال غيرهم من الرواة، يُنظر لحالهم من الصدق والضبط.
وقد ذهب إلى ذلك بعض علماء العامَّة، قال الآمدي: (المسألة السابعة: اتّفق الجمهور من الأئمّة على عدالة الصحابة. وقال قوم: إنّ حكمهم في العدالة حكم مَن بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية..) [الإحكام ج2 ص90]. وقال السخاويّ: (وحكى الآمديّ وابن الحاجب قولاً: أنّهم [أي الصحابة] كغيرهم في لزوم البحث عن عدالتهم مطلقاً، وهو قضية كلام أبي الحسين بن القطان..) [فتح المغيث ج4 ص98].
وفي الختام:
يجدر أن ننوه – بإشارةٍ سريعة - إلى أن الشواهد تفيد أنّ الجذور الحقيقية لنظرية عدالة الصحابة تم التأسيس لها والترويج لأغراضٍ سياسيَّةٍ بحتةٍ بدفعٍٍ من الحكومات الظالمة التي كانت تهدف إلى حرف الأمة عن إمامة وريادة أهل البيت (ع)، وبالتالي تمَّ إضفاء هالات القداسة على الصحابة وتقديمهم على أنهم جميعاً نماذج مُثلى يقتدى بها ويحتذى ليكونوا بُدلاء عن أهل البيت (ع)، يقول ابن عرفة المعروف بابن نفطويه - وهو من أكابر محدثي العامَّة وأعلامهم -: (إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقرّباً إليهم بما يظنّون أنّهم يرغمون به أنوف بني هاشم) [شرح نهج البلاغة للمعتزليّ ج1 ص 46].
اترك تعليق