شبث بن رِبْعيّ.. بين التوبة والتلوّن

السؤال: ما هو تاريخ شبث بن رِبْعيّ؟ وهل صحّت توبته عن قتل الإمام الحسين (ع) فشارك المختار الثقفيّ في المطالبة بدم الإمام (ع)؟

: الشيخ حسين العابد

الجواب:

كان شَبث بن رِبْعيّ بن حُصين اليربوعيّ التميميّ، أحد رؤوس النفاق، وواحداً من أكثر الشخصيات المتلوّنة التي عرفها التاريخ الإسلاميّ، فقد كان كالحرباء كلّما أبصر مصلحة بدّل جلده، ولذا كان كثير الولاءات، لا يستقرّ له موقف أو ولاء، إلّا ما دام نافعاً له. كانت حياته مليئة بالتقلّب والدوران؛ تبعاً للمكاسب وتقلب الأحداث وتأرجح كفّة القوى.

وههنا سنستعرض تاريخه وأبرز محطّات حياته تلك والتي تناولتها كتب التاريخ والسير:

1ـ الإسلام ثم الردّة ثم الرجوع إلى الإسلام:

أسلم شبث بن رِبْعيّ بعد أنْ كان جاهليّاً، ثم ارتدّ أيام أبي بكر ولحق بسجاحِ بنت الحارث التميميّة التي ادّعت النبوّة زيفاً وصار مؤذّناً لها، ثم لحق معها بمسيلمة الكذّاب المدّعي للنبوّة زيفاً هو الآخر وأذّن له، ثم راجع الإسلام وقدم وأبيه رِبْعيّ في أناس من بني حنظلة من تميم إلى الخليفة الثاني عمر؛ لينالوا نصيباً في الفتوحات، فأمّر عمر رِبْعيّاً عليهم، وابتعثهم إلى العراق [ينظر: تاريخ الطبريّ ج2 ص499 وص647].

2ـ في أيام حكم عثمان بن عفّان:

عندما ثار الناس على عثمان كان شبث أوّل من أعان على قتله، وحين خرجت عائشة على أمير المؤمنين (ع) - بذريعة المطالبة بدم عثمان - كان شبث ممّن رضي بخروجها، وخذّل الناس عن أمير المؤمنين (ع) في الكوفة. [ينظر: تاريخ الطبريّ ج3 ص498، تهذيب التهذيب ج4 ص303، الإصابة ج3 ص303].

3ـ في أيام حكم أمير المؤمنين (ع):

في تلك الفترة انضمّ شبث إلى صفّ أمير المؤمنين (ع)، وشاركه القتال ضدّ معاوية في صفّين، ثم انشقّ عنه وخرج عليه مع الخوارج، وصار قائد جندهم. ونُقل عنه أنّه كان يقول مفتخراً: (أنا أوّل من حرّر الحروريّة)، أي: أوّل مَن أسّس الخوارج.

عاد شبث في النهاية عن أمره، ولكن كعادته كانت عودته عودة نفاق، لا عودة توبة وندم؛ إذ لمّا استنفر أمير المؤمنين (ع) أهل الكوفة وبدأ يرسلهم للعسكرة استعداداً لقتال مَن أصرّ على البغي من الخوارج، تباطأ شبث وجماعة عن التلبية؛ ليثبّطوا الناس عن أمير المؤمنين (ع)، وكان (ع) قد علم بأمرهم، فوصفهم بالمنافقين، وشبّه وجودهم حوله بالمنافقين الذين كانوا حول رسول الله (ص)، وبشّرهم بالنار يوم القيامة، ونبّأهم عن رسول الله (ص) بأنّهم ممّن سيشارك في قتل الإمام الحسين (ع). [ينظر: تاريخ الطبريّ ج3 ص569، أنساب الأشراف ج3 ص114، التاريخ الكبير ج4 ص266].

4ـ في أيام حكم الإمام الحسن (ع):

آنذاك كان قد عاد شبث إلى مَن تبقّى من الخوارج، ودخل وآخرون - كالأشعث بن قيس، وعمرو بن حُريث - في تواصل سرّيّ مع معاوية، وأصبحوا خليّةً له في الكوفة؛ سعياً للانقلاب على الإمام (ع) وقتله ونيل الحظوة بذلك عند معاوية. اطّلع الإمام (ع) على غيّهم هذا وأخذ يحترز منهم، فكان لا يخرج إلّا في لامة حربه، ولا يتقدّمهم في صلاة إلّا متدرّعاً، وقد تكرّرت محاولاتهم لاغتياله والتي كان آخرها على يد زوجته جعدة بنت الأشعث بتحريض من معاوية، حيث دسّت له السمّ، واستُشهد (ع) على أثره. [ينظر: رجال الطوسيّ ص68، الإرشاد ج2 ص12، علل الشرائع ج1 ص220].

5ـ في أيام الإمام الحسين (ع) بعد موت معاوية:

مع موت معاوية ورفض الإمام الحسين (ع) إعطاء البيعة ليزيد كان شبث ممّن كاتب الإمام الحسين (ع) يعرض عليه البيعة، ويدعوه إلى القدوم للكوفة. ولمّا ولي عبيد الله بن زياد إليها مال شبث إليه وانقلب على عقبيه، فقاتل مسلماً (ع)، فخرج وجملة من رؤوس الكوفة يفرّق الناس عنه إلى أنْ بقي وحيداً يتلدّد أزقّة الكوفة، وكان ما كان من قضيّة شهادته (ع).

انضمّ شبث بعدها إلى جيش عمر بن سعد؛ لقتال الإمام الحسين (ع)، وترأّس فيه الرجّالة، وعندما رآه الإمام (ع) في كربلاء ذكّره بكتابه ذاك، فأنكر. [ينظر: تاريخ الطبريّ ج4 ص262، وص276، وص286، وص321، الفتوح ج5 ص89، أنساب الأشراف ج3 ص188، الإرشاد ج2 ص98].

وقد بلغ من خباثته: أنّه جدّد مسجده في الكوفة؛ فرحاً بقتل الإمام (ع)، وتزلّفاً إلى بني أميّة، فعن الإمام الباقر (ع): «جدّدت أربعة مساجد بالكوفة؛ فرحاً لقتل الحسين (ع): مسجد الأشعث، ومسجد جرير، ومسجد سماك، ومسجد شبث بن رِبْعيّ» [الكافيّ ج3 ص490].

5ـ في فترة المختار الثقفيّ والزبيريّين:

بعد موت يزيد، وسيطرة ابن الزبير على المدينة والبصرة والكوفة، وفرار ابن زياد نحو الشام، عدل شبث عن ولائه لبني أميّة، وبايع ابن الزبير، وشارك مع واليه على الكوفة عبد الله بن مطيع في قتال المختار وقمع حركته.

وحين ظهرت الغلبة للمختار، وحُوصِر شبث ومن معه في قصر الإمارة، طلبوا الأمان، وبايعوا المختار مقهورين، لكنّهم سرعان ما نقضوا بيعته وقاموا مجدّداً لقتال المختار؛ مستغلّين غياب العسكر عن الكوفة لخروجهم مع إبراهيم بن الأشتر لقتال ابن زياد في الموصل.

ولمّا علم ابن الأشتر بالأمر رجع من فوره إلى الكوفة، فأدرك شبث ذلك، وطلب من المختار أنْ يعطيه الأمان مجدّداً والوثوق ببيعته ثانية، وأراد بذلك أنْ يكيد له إذ كان يُضمر العداء للمختار وينوي قتاله، إلّا أنّ المختار لم يُمهله هذه المرّة، ونهض لقتاله ومن معه.

تمكّن شبث حينها من الفرار، واللجوء إلى مصعب بن الزبير في البصرة، حيث كان والياً عليها، وعمل في خدمته، وحثّه على محاربة المختار، وحضر قتل المختار معه، وبعد ذلك ولَّاه الزبيريون رئاسة شرطة الكوفة [ينظر: الفتوح ج6 ص237-240، تاريخ الطبريّ ج4 ص500-507، وص517-519، وص558-570، تهذيب التهذيب ج4 ص267].

الخلاصة:

ممّا تقدّم وبمراجعة كلٍّ من كتب التاريخ والسير وكلمات أهل البيت (ع) وعلمائنا في كتبهم الرجاليّة في حقّ شبث بن رِبْعيّ، يتّضح التالي:

أوّلاً: إنّ شبث كان منافقاً متلوّناً لا ولاء له، لم تسلم دماء أهل البيت (ع) من غوائله وشرور مكائده، وقد وصفوه بالمنافق.

وثانياً: لم يثبت التاريخ لشبث موقفاً واحداً ينمّ عن توبة حقيقيّة، كما في حالة الحرّ بن يزيد الرياحيّ مثلاً، علماً أنّه قد عمّر طويلاً.

وثالثاً: بيعته للمختار كانت مجرّد نفاق ورضوخ مؤقّت لحكمه بعد ظهور غلبته على الكوفة، لا أنّه قد تاب وندم عن قتل الإمام الحسين (ع)، فحدا به ذلك للمشاركة مع المختار الثقفيّ في الطلب بدماء الإمام (ع) من قاتليه.

ورابعاً: منشأ الاشتباه الذي سَئل حوله السائل الكريم بخصوص توبة شبث هو أنّ بعض المترجمين لشبث من العامّة قال في ترجمته ما نصّه: (حضر قتل الحسين، ثم كان ممّن طلب بدم الحسين مع المختار) [تقريب التهذيب ج1 ص411]. وهو تعبير غاية في الإيهام، من شأنه أنْ يدعو القارئ للوهلة الأولى لتصوّر المشهد على خلاف واقعه. وكان حريّاً بابن حجر وغيره ممّن عبّر بهذا التعبير أنْ يعبّر بطريقة لا لبس فيها؛ بحيث لا يقع القارئ خالي الذهن بالوهم، ويتّضح له أنّ بيعة شبث للمختار كانت بيعة كيدٍ ونفاقٍ سرعان ما كشّر عن أنيابه بعدها.

والحمد لله ربّ العالمين.