هل شكّ عمّار بن ياسر في نبوّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)؟

السؤال: في حديثٍ طويلٍ أنّ عمّار بن ياسر قال: «قصدتُ رسول الله وأنا شاكّ فيه، فقلت: يا محمّد، لا سبيل إلى التصديق بك مع استيلاء الشكّ فيك على قلبي، فهل من دلالة؟ قال: بلى، قلت: ما هي؟ قال: إذا رجعتَ إلى منزلك فاسأل الأحجار والأشجار تصدّقني برسالتي... إلخ» [إثبات الهداة ج١ ص٤٢٠]. فهل يليق بعمّار ـ وهو من الأركان ـ الشكّ في نبوّة الرسول (صلّى الله عليه وآله)؟ أم يجوز ذلك لأنّه غير معصوم؟

: الشيخ مروان خليفات

الجواب:

نقل الشيخ الحرّ العامليّ هذا النصّ عن تفسير الإمام العسكريّ (عليه السلام)، وهذا الكتاب موضع كلامٍ بين العلماء، خاصّة في سنده الواصل إلينا، وبغضّ النظر عن هذا، فقد وقع السائل في مغالطةٍ، فهل كان عمّار بن ياسر من الأركان حين قصد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وتطرّق له الشكّ؟ أم كان في مرحلة البحث؟

من المعلوم أنّ كثيراً من أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة الأخيار (عليهم السلام) كانوا على مذاهب وأديانٍ فاسدةٍ، ثم صلح أمرهم وصاروا من حملة الدين.

وحتّى الصحابة الذين يتغنّى بهم أهل السنّة، دخل بعضهم الشكّ بالرغم من مضيّ سنين على إسلامهم، كما حصل للخليفة الثاني في صلح الحديبية، حيث دخله شكّ بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) باعترافه؛ إذ ورد بسندٍ صحيحٍ أنّه قال: «والله ما شككتُ منذ أسلمتُ إلّا يومئذٍ»[المصنّف لعبد الرزّاق ج٥ ص٣٣٩، صحيح ابن حبّان ج١١ ص٢٢٤].

ونقل الواقديّ عنه قوله يوم الحديبية: «ارتبتُ ارتياباً لم أرتبه منذ أسلمتُ إلّا يومئذٍ»[المغازي ج١ ص٦١١].وقال ابن حجر: «زاد الواقديّ: من حديث أبي سعيد، قال عمر: لقد دخلني أمرٌ عظيمٌ»[فتح الباري ج٥ ص٢٥٤].

فلماذا يحاول السائل ـ إن كان من أبناء العامّة ـ أن يغمز في عمار بن ياسر وشكّه وهو في طريق البحث آنذاك، ويتغاضى عن شكّ الخليفة الثاني بفعل النبيّ ونبوّته بالرغم من مضيّ سنين على إسلامه؟!

سيلجأ السلفيّ ـ كعادته ـ للطعن برواية الصنعانيّ والواقديّ، وزعم نكارة تلك العبارة، لكنّ المنصف تكفيه رواية البخاريّ وما اشتملت عليه من شكّ عمر وتساؤلاته للنبيّ، ومحاولة إثارة الناس عليه، ووصف فعله بالدنيّة في الدين، فليراجعها المهتمّ.

[ينظر: صحيح البخاري ج٣ ص١٨٢].

إنّ الشكّ حالةٌ طبيعيّةٌ عند العقلاء في طريق الوصول للحقائق، حتى يكون الشاكّ متيقّناً من الأمر الذي يبحث عنه.

فما عرض لعمّار أمرٌ طبيعيٌّ، خاصّة أنّه لم يلتقِ بنبيٍّ، ولا سمع، ولا عاشر دعوةً سماويّةً من قبل، ثم إنّ عمّاراً بعدما رأى من معجزة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، رسخ إيمانه، وصار لاحقاً الفيصل لمعرفة الفئة الباغية بالرغم من وجود كبار الصحابة آنذاك.