فلسفة زيارة الحسين (ع) في الأعياد والمواسم

السؤال: ما هي فلسفة التأكيد على زيارة الإمام الحسين (ع) في المناسبات الدينيَّة، مثل: يوم عاشوراء، الأربعين، أول رجب، نصف رجب، نصف شعبان، ليالي القدر، العيدين، عرفة، الجمعة؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾

من يتأمل في النصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) في شأن زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، يلاحظ تركيزاً خاصاً على استحبابها في محطاتٍ زمنيةٍ بعينها، والذي يبدو أنَّ هذا التركيز يكشف عن فلسفةٍ معينةٍ تقوم على ربط الحسين (ع) بمركزيَّة العبادة والهداية، وجعل زيارته جزءاً من وعي المؤمن في أهم مناسباته الدينيَّة، فالحسين ليس شخصيةً تاريخيةً عابرةً، بل هو المعيار الذي امتحن الله به الأمة، وبه تميز خط التوحيد عن خط الطاغوت.

فقد يكون التأكيد على زيارته يوم عاشوراء لكونه اليوم الذي تحققت فيه المفاصلة الكبرى بين الحق والباطل، وفي يوم الأربعين لكونه اليوم الذي اكتملت فيه نهضة كربلاء برسالة السبايا وفضح الطغاة، أما يوم عرفة فهو اليوم الذي بدأ فيه الحسين (ع) نهضته، عندما حلَّ أحرامه واتجه نحو كربلاء، وزيارة الحسين (ع) في هذا اليوم تؤكد بأن القبول الحقيقي للعبادات لا ينفك عن الولاء لآل محمد، كما ورد في نص الزيارة: «اللَّهم اجعلني في مقامي هذا ممن تناله منك صلواتٌ ورحمةٌ ومغفرةٌ، اللَّهم اجعل محياي محيا محمدٍ وآلِ محمدٍ، ومماتي مماتَ محمدٍ وآلِ محمدٍ صلى الله عليه وآله».

وفي ليالي القدر، وهي ليالي تقدير المصائر، يصبح استحضار الحسين (ع) تجديداً للبيعة مع خط التضحية والفداء، بل حتى في الأعياد ويوم الجمعة، وهما مواسم الفرح والعبادة الجماعية، لم يُفصل ذكر الحسين (ع) عنهما، وكأن النصوص تقول للمؤمن: لا معنى لعبادةٍ بلا وعي، ولا معنى لوعيٍ بلا حسين.

ويبدو أنَّ الهدف من هذا التأكيد هو أنْ لا يمرَّ على المؤمن موسمٌ روحيٌّ أو مناسبةٌ كبرى إلَّا ويستحضر فيها الحسين (ع)، ليبقى الدين حيّاً في وجدان الأمة، فزيارة الحسين (ع) ليست مجرد تلاوة كلمات، بل هي تجديد ميثاقٍ عمليٍّ مع خطّ كربلاء.

التاريخ يشهد أن دماء الشهداء تحفظ الرسالات من الذوبان، والحسين (ع) هو سيد الشهداء؛ لذلك فإن استحضاره في المواسم الدينية استحضارٌ للضمانة الحقيقية لبقاء الإسلام، فالذي يزور الحسين (ع) في هذه الأيام يعترف عمليّاً بأن الدين الذي بين يديه وصل إليه محفوظاً بدمه، وأنَّ ما يتعبَّد به اليوم هو ثمرةٌ لتضحيات كربلاء، فالزيارة ليست مجرد ذكرى بل هي تعهدٌ مستمرٌ بحفظ خط الحسين (ع).

وهكذا أسست زيارة الحسين (ع) لهويةٍ جامعةٍ لأتباع أهل البيت (ع)، وجعلت من كربلاء نقطةَ التقاءٍ للأمة على قيم العدل والحرية، لقد أدرك الطغاة خطورة هذه الزيارة، فحاولوا مراراً منعها وتهديد زوارها، فالزائر الذي يتحدّى السيف والقتل من أجل الوصول إلى كربلاء يعلن عمليّاً رفضه الظلم وتجديد ولائه للحق. ولهذا تحولت الزيارة- خاصةً في الأربعين- إلى أضخم تجمعٍ بشريٍّ عالميٍّ، يعكس استمرارية المشروع الحسيني في مواجهة الاستبداد.

وفي المحصلة، لا يخفى أنَّ هناك بُعداً روحياً عميقاً في تأكيد الزيارة في هذه المناسبات، وما ندركه بعقولنا هو بعض وجوه الحكمة، أما كمالها فمردّه إلى الله وأوليائه، وما هو ثابتٌ بالضرورة هو أن الحسين ميزانٌ دائمٌ في حياة المؤمن، فلا تنفصل العبادة عن وعي كربلاء، ولا تتحول المواسم إلى طقوسٍ فارغةٍ بلا روح. فزيارة الحسين (ع) في عاشوراء والأربعين وعرفة وليالي القدر والعيدين والجمعة ليست أحداثاً متفرقة، بل حلقاتٌ متصلةٌ في مشروعٍ إلهيٍّ واحدٍ، غايته أن يظل الدين حيّاً بدم الشهادة، وأن يبقى الحسين (ع) مشعل الهداية عبر العصور.