لماذا لم يذكر القرآن أعداء الإمام؟

السؤال: لماذا الله سبحانه لم يذكر أعداء الإمامة ويذكر أعداء الله ورسوله والملائكة؟ يقول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: {من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإنَّ الله عدوٌّ للكافرين}. لماذا لم يذكر الله أعداء الإمام؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

الإمام المعصوم ليس جهةً مستقلةً عن الله ورسوله، بل هو الامتداد الطبيعيّ لخطّ النبوّة، فمن يعادي الإمام فهو عمليّاً يعادي الله ورسوله؛ ولهذا قال النبيّ (ص): «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع عليّاً فقد أطاعني، ومن عصى عليّاً فقد عصاني» [المستدرك ج3 ص121]، فعداوة الإمام يلزم منها جزماً عداوة الله ورسوله (ص)، وحينئذٍ لا يصحُّ فصلها عن عداوة الله ورسوله (ص) في الآية.

ثمَّ إنَّ الله تعالى شاء أن يجعل الإمامة موضعَ اختبارٍ دقيقٍ للأمّة، فكانت طاعة الأئمّة من أهل البيت أعظمَ بابٍ امتُحِنت به هذه الأمّة، قال تعالى: {قُل لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23]، وقد ورد عن رسولِ الله (ص) قوله: «يا عليّ، والذي بعثني بالنبوّة واصطفاني على جميعِ البريّة، لو أنَّ عبداً عبد الله ألفَ عامٍ ما قُبِل ذلك منه إلا بولايتك وولايةِ الأئمّة من ولدك، وإنَّ ولايتك لا تُقبَل إلا بالبراءة من أعدائك وأعداء الأئمّة من ولدك، بذلك أخبرني جبرئيل، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» [مائة منقبة ص28، كنز الفوائد ص185]. فالإمامة بابُ امتحانٍ: هل يتبع الناسُ وصيَّ النبيّ (ص) بعد وفاته أم ينصرفون عنه؟ ولأجل تمام هذا الابتلاء لم تُذكر أسماءُ الأئمّة صراحةً في القرآن، بل أُوكل بيانهم إلى الرسول (ص)، لتظهر حقيقةُ الطاعة والانقياد.

كما أنَّ القرآن لم يذكر أسماءَ كلّ الأنبياء أو الأولياء، بل ذكر المقامات والوظائف، قال تعالى: {وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} [النساء: 164]، فعدمُ ذكر الأسماء لا يعني انتفاء المنصب، وبالمثل، الإمامة لم تُذكر بأسماء الأشخاص، لكنها ذُكرت بوضوحٍ في مقاماتها: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55]، وغيرها من الآيات، فمن عادى هؤلاء الأئمّة فقد عادى الله الذي نصبهم.

وأمَّا الآية التي استشهد بها المعترض: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 98]، فهي نزلت في سياقٍ خاصٍّ بمواجهة اليهود، الذين أظهروا العداوةَ لجبريل، بزعمِ أنَّه ينزل بالعذاب بدل الرحمة، فقد روى الطبريّ بسنده عن قتادة: «في قوله: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ}، قال: قالت اليهود: إنَّ جبريل هو عدوّنا؛ لأنَّه ينزل بالشِّدّة والحرب والسَّنة، وإنَّ ميكائيل ينزل بالرَّخاء والعافية والخصب، فجبريل عدوّنا، فقال الله جلَّ ثناؤه: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ}» [جامع البيان ج1 ص610]، فاقتضى السياقُ ذكرَ الله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل بالخصوص، فهي ليست بصددِ حصر جميع مقامات الطاعة والولاية، وإنما ردٌّ على شبهةٍ تاريخيّةٍ معيّنة.

وللمركز جوابٌ سابقٌ بعنوان: (لماذا لم يُصرَّح بأسماءِ ظالمي أهلِ البيتِ في القرآن؟)، يمكن مراجعته.

وفي المحصّلة أنَّ ذكر أعداء الإمام في القرآن ليس باللفظ، لكنَّه حاضرٌ بمعناه في عشراتِ المواضع التي نصّت على ولاية أولياء الله وأئمّة الهدى، فجعلت عداوتهم عداوةً لله ورسوله، وإنْ لم يُذكروا بالاسمِ صراحةً.