هل الدين يشوِّه الحياة؟
السؤال: إنَّ الدينَ يجعل من الحياةِ عبئاً نفسيّاً ثقيلاً، والأتعس أنْ نكون عالقين بهذا العبءِ، فحتى فكرةُ الخروجِ من هذا العبءِ بالانتـحار هي محرَّمةٌ ومصيرُك النارُ الأبديَّة، كأنَّك تعيش في عذابٍ لا مفرَّ منه. إلهُ الإسلامِ إلهٌ مقلقٌ جدّاً، فلا شيء يضمن دخولكَ الجنَّة، لا شيء يضمن لك الراحة، حتى في لحظاتِ احتضارهم الأخيرة، والتي يجب أنْ تكون أكثر اللحظاتِ سلاماً للإنسان، يشعر فيها المسلم بالقلق مما هو قادم، فيتخيَّل كيف سيقبض عزرائيلُ روحَه، ويتخيَّل ضغطةَ القبر، ويتخيَّل أهوالَ يومِ القيامة، ويرتعب من اللّايقينِ في مصيرِه الأبديِّ، الذي ممكنٌ أنْ يكون عذاباً أبديّاً. هناك أشخاصٌ عالقون في هذا النظامِ الفكريِّ المغلق، ويعانون بسببه كلَّ يومٍ، يعيشون الآلاف من الصراعاتِ النفسيَّة، ألن يوجب كلُّ ذلك أنْ نعامل هذا الدين معاملةَ المرضِ الخطير، لتأثيره المُفرطِ في السوء على جودةِ حياةِ الإنسان؟
الجواب:
أوَّلاً: إنَّ الشبهةَ مبنيَّةٌ على تصوُّرٍ معكوسٍ تماماً لمعنى الدينِ وحقيقته، فالدينُ لم يأتِ ليجعل الحياةَ عبئاً ثقيلاً أو عذاباً نفسيّاً كما يتوهَّم البعض، بل جاء ليجعلها أكثر إشراقاً وأملاً وتفاؤلاً وطمأنينةً. ومن دون الدين تكون الحياةُ فعلاً عبئاً ثقيلاً لا مخرجَ منه؛ لأنَّها تتحوَّل إلى سلسلةٍ من المصادفاتِ العمياء، والآلامِ المقطوعةِ عن أيِّ غايةٍ أو حكمةٍ.
وقد أكَّد القرآنُ هذه الحقيقة بقوله: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]. فالآيةُ لا تَعِدُ المؤمنَ بالجنَّةِ فقط، بل تَعِدُه بالحياةِ الطيِّبة في الدنيا قبل الآخرة، أي حياةٍ مليئةٍ بالسكينةِ والرِّضا، لأنَّه يعيش على بصيرةٍ بمعنى وجوده وغاية مسيره.
فالدينُ يُحرِّر الإنسان من أشدِّ الأزماتِ قسوةً، وهي أزمةُ العبثيَّة واللاجدوى. فمن يعيش بلا إيمانٍ يجد نفسه في فراغٍ وجوديٍّ خانق، لا يعرف لماذا وُجد، ولا إلى أين يسير، ولا معنى لمعاناته وآلامه. بينما الدينُ يضع لكلِّ ألمٍ معنى، ولكلِّ شقاءٍ مغزى، ولكلِّ لحظةٍ قيمةً. وبهذا يُحوِّل المعاناةَ من عبءٍ بلا تفسيرٍ إلى طريقٍ للارتقاء والامتحان، ويُحوِّل الموتَ من كارثةٍ وجوديَّة إلى بابٍ لرحمةِ الله وخلودِه.
وثانياً: قولُه: (.. فحتى فكرةُ الخروج من هذه العبءِ بالانتحار هي محرَّمةٌ ومصيرُك النارُ الأبديَّة)، يكشف عن مشكلةٍ يعيشها المعترضُ مع أصلِ الحياةِ وليس مع الدين. فالذي يفكِّر في الانتحار لا يؤمن بالحياة، ناهيكَ عن إيمانه بالدين، فحتى لو لم يكن هناك دينٌ من الأساس ستظلُّ مشكلةُ هذا الإنسان قائمةً. وعليه نفهم أنَّ نقطةَ خلافِه مع الدين هي في أنَّ الدينَ لا ينظر للحياة كعبءٍ ينبغي التخلُّصُ منه، بل كفرصةٍ ثمينةٍ للارتقاء والتكامل، بينما ينظر المعترضُ إلى الحياة من زاويةٍ تشاؤميَّةٍ قاتمةٍ. فمن يختصر عمرَه بنفسه يُغلق على نفسه أبوابَ الرحمة، بينما الدينُ يُطالبه بالصبرِ والأمل، ويَعِدُه بأنَّ مع العسرِ يُسراً. هذه ليست عبوديَّةً خانقة، بل ضمانةٌ كي لا يسقط الإنسان في فخِّ اليأس القاتل.
وثالثاً: الادِّعاءُ بأنَّ اللهَ "مُقلقٌ"، وأنَّ لا ضمانَ لدخولِ الجنَّة، هو قلبٌ للمعادلة رأساً على عقب. فاللهُ سبحانه عرَّف الإنسانَ بطرقِ النجاة، وجعلها واضحةً لا غموضَ فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣]. الدينُ لم يترك الناسَ في متاهةٍ، بل أعطاهم القواعدَ الواضحة: الإيمان، العمل الصالح، اجتناب الظُّلم، والتمسُّك بالحقِّ. فالمؤمنُ الصادق لا يعيش قلقاً أبديّاً، بل يطمئنُّ قلبُه بذكرِ الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. فالقلقُ في حياةِ المؤمنِ ليس خوفاً مرضيّاً، بل خشيةٌ إيجابيَّةٌ تدفعُه للعملِ الصالح، وهذا فارقٌ جوهريٌّ بين (القلقِ الإيمانيِّ) و(القلقِ الوجوديِّ).
ورابعاً: أمَّا تصويرُ لحظاتِ الاحتضارِ بأنَّها رعبٌ دائمٌ من عزرائيل، وضغطةِ القبر، وأهوالِ القيامة، فهذا فَهمٌ مبتورٌ. نعم، هناك رهبةٌ طبيعيَّةٌ في مواجهةِ المجهول، لكنَّ المؤمنَ الحقَّ يُواجه الموتَ بالسكينةِ والرِّضا، لأنَّه يرى الموتَ انتقالاً إلى رحمةِ اللهِ الواسعة، لا فناءً مرعباً. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠]. فالموتُ عند المؤمنِ ليس بدايةَ العذاب، بل بدايةُ الراحةِ الحقيقيَّة.
وفي المحصِّلة:
الدينُ لا يُشوِّه الحياة، بل يهبُها أعمقَ معانيها، ويجعلُها متَّصلةً بالغيبِ والخلود. والذي يُصوِّر الدين كمرضٍ خطيرٍ إنَّما ينطلق من أمراضٍ نفسيَّةٍ أو من قراءةٍ سطحيَّةٍ مشوَّهةٍ، أمَّا من يعيش الدينَ حقّاً يجد أنَّه رحمةٌ وسكينةٌ، وبه وحده تتحوَّل الحياةُ من قلقٍ عابرٍ إلى حياةٍ طيِّبةٍ وغايةٍ ساميةٍ. فالحياةُ بلا دينٍ كبيتٍ بلا سقفٍ، يعرِّض صاحبَه لكلِّ عاصفةٍ، بينما الدينُ سقفُ الرحمةِ الذي يحفظ للإنسانِ كرامتَه وطمأنينتَه في الدنيا، ويهديه إلى مصيرِه المُشرقِ في الآخرة.
اترك تعليق