هل معراج النبيّ (ص) مقتبس من أساطير فارسيّة؟

السؤال: معراج محمّدٍ كان مقتبساً من قصّة معراج كاهن زرادشتيّ تناول عمداً مادّةً مخدّرةً ليسافر إلى عالم الموتى، يعود ويصف ذلك للأحياء. الصور المرعبة للعقوبات الجهنّميّة من تعليق النساء إلى العذاب الجنسيّ كلّها وردت في تلك الرحلة الزرادشتيّة ونسخها الآخرون فيما بعد. والمثير للاهتمام أنَّه رغم التغييرات التي حدثت عبر الزمن، بقيت كراهية المرأة في هذه الأوصاف دون مساس.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

اعتدنا في كتابات أعداء الدين على محاولاتهم المستميتة لتشويه الإسلام بأيَّة وسيلة، ومن أكثر أساليبهم شيوعاً ترديد الاتّهام القديم الجديد بأنَّ القرآن والرسالة النبويّة ليست إلّا اقتباساً من "أساطير الأوّلين". وتحت هذا العنوان العريض يحاولون الطعن في وقائع الإسلام الكبرى، ومن ذلك قصّة معراج النبيّ محمّد (ص)، التي يزعمون أنَّها مقتبسة من أساطير فارسيّة انعكست في رحلة كهنوتيّة قديمة منسوبة إلى التراث الزرادشتيّ.

غير أنَّ البحث في حقيقة ما يُسمّى بـ(المعراج الإيرانيّ) أو (أردا فيراف نامه)، يكشف أنَّ هذه الدعوى لا تقوم على أساسٍ متين، بل يظهر بوضوح أنَّ الأمر على العكس تماماً، فالمعراج الإسلاميّ موثّق بالقرآن والسنّة منذ البعثة النبويّة، أمّا المعراج الإيرانيّ فقد أُعيدت صياغته في عصورٍ متأخّرةٍ متأثّراً بالثقافة الإسلاميّة نفسها.

فالنصّ الأشهر الذي يُستند إليه في هذا السياق هو كتاب [أردا فيراف نامه]، والتدقيق في تاريخ هذا الكتاب يكشف مفارقةً بالغة الأهميّة؛ إذ لا وجود لأيّ نسخةٍ قديمةٍ يمكن نسبتها إلى زمن زرادشت أو إلى ما قبل الإسلام. وما قيل عن وجود نسخٍ قديمةٍ كُتبت بالخطّ الفارسيّ القديم، لا يغيّر من الحقيقة شيئاً؛ لأنّ تلك النسخ قد اندثرت تماماً ولم يصلنا منها أثر. وما وصل إلينا إنّما هو إعادة صياغة لاحقة تمّت بعد دخول الإسلام إلى إيران بالخطّ العربيّ.

ومن هنا، فإنَّ أقدم النسخ المتاحة بين أيدينا لا تعود إلى العصور الزرادشتيّة الأولى، ولا حتّى إلى القرون القريبة من البعثة النبويّة، بل ترجع إلى القرن السابع الهجريّ، أي بعد حادثة المعراج النبويّ بقرونٍ طويلةٍ جدّاً. وهذه الحقيقة التاريخيّة كافيةٌ وحدها لإبطال دعوى الاقتباس؛ لأنَّ الإسلام سبق إلى تقرير المعراج وتثبيته في نصوصه التأسيسيّة (القرآن والحديث)، في حين أنَّ [أردا فيراف نامه] لم يُكتب بصورته المعروفة إلّا بعد ستّة قرونٍ من تلك الحادثة، وبذلك، فإنَّ الترتيب الزمنيّ نفسه يفرض بالضرورة أن يكون المعراج الإيرانيّ متأثّراً بالمعراج الإسلاميّ، لا أن يكون الإسلام مقتبساً منه.

ثم إنَّ الدافع وراء صياغة [أردا فيراف نامه] لم يكن دينيّاً خالصاً، بقدر ما كان ذا بُعدٍ قوميّ وهويّاتيّ. فقد ظهر هذا النصّ في سياق محاولات الفرس لإحياء موروثهم القديم بعد صدمة الفتح الإسلاميّ، تماماً كما ظهرت ملاحم قوميّة مثل «الشاهنامة». كان الهدف أن يجد الإيرانيّون في ماضيهم ما يقابل قوّة الإسلام وانتشاره، فصاغوا هذه القصّة وأعادوا إنتاجها بلغةٍ قريبةٍ من اللغة الإسلاميّة، مستخدمين الحرف العربيّ ومتأثّرين بالتصوير القرآنيّ والحديثيّ للمعراج والجنّة والنار.

أمّا دعوى تشابه صور العذاب التي رآها الكاهن في معراجه مع ما ورد في الإسلام، فهي دعوى ظاهرها التشابه وباطنها الوهم؛ إذ إنّ عالم الآخرة في الإسلام غيبيٌّ عظيمٌ لا يُدرَك بالحسّ، وقد جاء تصويره في القرآن بعباراتٍ عامّةٍ موجزةٍ، من قبيل قوله تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} [النساء: ٥٦]، وقوله: {يُسْقَىٰ مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ} [إبراهيم: ١٦]، وغير ذلك من الآيات. وما زاد على ذلك من تفاصيل، إنّما ورد في الأحاديث، وفيها الصحيح والضعيف، ولا يُبنى عليها أصل العقيدة.

وعليه، فالتشابه المزعوم لا يعدو أن يكون وهماً قائماً على عموم المشترك في تصوير العدالة الأخرويّة، ولا يصلح بحالٍ دليلاً على النقل أو الاقتباس.

والدعوى بأنَّ هذه العقوبات تعكس "كراهية المرأة"، دعوىً باطلةٌ؛ لأنَّ القرآن لم يخصّ النساء بعذابٍ لكونهنّ نساء، وإنّما قد تذكر بعض الروايات عقوباتٍ لذنوبٍ معيّنةٍ ارتكبتها بعض النساء في مجتمعاتٍ بعينها، أمّا القاعدة العامّة فهي قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: ٩٧]، كما أنَّ الإسلام قد رفع مكانة المرأة في نصوصه، وخلّد أسماء نساءٍ مؤمناتٍ مثل مريم وآسية وفاطمة (ع) كنماذج خالدةٍ للقدوة والكرامة.