كيف نميز بين الفكرة النابعة من الأهواء والشهوات وبين الفكرة النابعة من العقل والعلم؟
كيف نميز بين الفكرة النابعة من الأهواء والشهوات وبين الفكرة النابعة من العقل والعلم؟
الجواب:
ما هو واضحٌ في الوجدان، وتؤكّده أيضاً آيات القرآن هو كون الإنسان كائناً مركّباً، تتنازعه قوّتان: إحداهما تمثّل جانب الكمال في الإنسان، بينما الأخرى تمثّل جانب الضعف فيه، فالأولى هي العلم والعقل، والثانية هي النفس والأهواء والشهوات.
ولكلّ واحدةٍ من هاتين القوّتين أدواتها وطريقتها الخاصّة في إنتاج الأفكار وترتيب الأولويّات، ومن الخطأ الاعتقاد بأنّ العقل هو المسؤول الوحيد عن فكر الإنسان ومعارفه، بل إنّ النفس أيضاً لها أفكارها ومعارفها، بل يمكننا أن نقول: إنّ النفس قد تكون أكثر هيمنةً على أفكار الإنسان ومعارفه من العقل والعلم، فالإنسان عادةً يرتّب أفكاره ويختار قناعاته بالطريقة التي تنسجم مع مصالحه وذاتيّته، وقد حاولت بعض الفلسفات التأصيل لذلك عندما جعلت الذات، بما فيها من (أنا) ورغبات وأهواء وتمنّيات، هي المقياس للمعارف والأفكار.
وعليه، فإنّ أيَّة فكرةٍ أو قناعةٍ يؤمن بها الإنسان، إمّا أن يكون قد قاده إليها العلم والتعقّل، وإمّا أن يكون هوى النفس هو الذي زيّنها له، صحيح أنّ هناك مساحةً واسعةً من المباحات التي لا يكون الميزان فيها قائماً على الحقّ والباطل، وبالتالي يجوز للإنسان أنْ يحكم فيها بحسب مصلحته التي لا تتعارض مع حقٍّ آخر، إلّا أنّ الاتّجاه العام لأفكار الإنسان وقناعاته يتباين بين كونها حقّاً وعلماً، وبين كونها باطلاً وأهواء وشهوات، وأحياناً قد يتّفق أن تهوى النفس الحقَّ لا لكونه حقّاً، وإنّما لكونه يمثّل مصلحة للنفس ضمن ظرف معيّن، وسرعان ما تنقلب عليه النفس إذا تبدّلت الظروف وتغيّرت المصالح.
وعليه، فإنّ خيارات الإنسان ليست علميّةً فقط وإنّما نفسيّة أيضاً، وليس بالضرورة أن تكون كلّ الأمور متّضحةً دائماً للإنسان، أو أنّ خيارات الإنسان منحصرةٌ بين الأبيض والأسود، فقد لا يحصل الإنسان على العلم في بعض الأمور، حتّى لو سعى إليه واجتهد في تحصيله.
كما أنّ النفس أحياناً تحتار في تحديد ما يصلحها وتختلط عليها الأمور فتصبح مضطّربةً ومتردّدةً، وبالتالي ليس بالضرورة أنّ كلّ ما يصيب الإنسان من شكٍّ وتردّدٍ له علاقة بالعلم والتعقّل، وإنّما قد يكون بسبب حيرة النفس في تحديد رغباتها واختيار شهواتها؛ ولذلك، من الضروريّ الوقوف على أسباب هذا الارتياب وتحديد مصدره.
وفي المحصّلة، هناك قوّتان تتنازعان الإنسان، تمثّل الأولى الإيمان والثانية الكفر. قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3].
وبما أنّ الإيمان نظام من المعارف والأفكار، كذلك الكفر أيضاً نظام من المعارف والأفكار، والفرق بينهما: أنّ الأول نابعٌ من الحقّ والهدى، والثاني نابعٌ من الباطل والضلال، وفلسفة رسالات الله قائمة على التمييز بين الاتّجاهين والتأكيد على خيار الحقّ ونبذ خيار الباطل، وفي المقابل، هناك الشيطان الذي يحرّك الغرائز ويزيّن الشهوات.
ومع أنّ الحقّ والباطل بينهما تباينٌ كبيرٌ، إلّا أنّهما يختلطان كثيراً عند الإنسان بحيث يصعب عليه التمييز بينهما؛ ولذا من الضروريّ إيجاد معيار لتحقيق هذا التمايز، وقد أشار القرآن إلى معيارين: أحدهما عام يمثّل مشتركاً بين جميع البشر، والثاني خاصّ يمثّل الموقف الشخصيّ لكلّ إنسان.
أمّا الأول، فهو اختبار الفكرة علميّاً، وذلك من خلال الكشف عن مصدرها وأدلّتها والطرق الموصلة لها، أمّا الثاني، فهو المسؤوليّة الفرديّة والشعور الداخليّ لكلّ إنسان. وإليك بيان هذين المعيارين:
أوّلاً: المعيار العام:
قال تعالى: {وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111].
هناك فكرةٌ تقول: إنّ الجنّة لا يدخلها إلّا يهوديٌّ أو نصرانيٌّ، وعليه كيف يمكن أن نكشف عن مدى صحّة هذه الفكرة؟ وهل هي نابعةٌ من العلم أم نابعةٌ من هوى النفس؟ المعيار الذي طرحته الآية هو المطالبة بالبرهان على هذه الفكرة: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، والبرهان هو الدليل الذي يجعل الإنسان مسلّماً بمطابقة الفكرة للواقع، فإذا تحصّل البرهان، علمنا أنّ الفكرة نابعةٌ من العلم وليس الهوى، وفي هذه الآية نجد أنّها حدّدت مصدر الفكرة بوضوحٍ عندما قالت: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ}، أي: أنّها مجرّد تمنّياتٍ ورغبةٍ نفسيّة.
وقد أوضحت آياتٌ أخرى مشكلة التمنّي في توليد قناعات الإنسان، وكيف ميّز الله بين الأفكار النابعة من الحقّ وبين الأفكار النابعة من الأمنيات.
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} [الحج: 52ـ55].
تحدّثت الآية الأولى عن دور الشيطان، وكيف يلقي وساوسه في أمنيات البشر، ولا ينجو من ذلك إلّا مَن عصمه الله تعالى؛ ولذا نجد أنّ الله ينسخ ما يلقيه الشيطان للرسول ثمّ يُحكم آياته، وبعد ذلك تتحدّث الآية الثانية عن استغلال الشيطان للقلوب المريضة التابعة للهوى، وكيف أنّه يزيّن لها الأفكار الضالّة ليفتنهم ويضلّهم عن الهدى، ثمّ تنتقل الآية الثالثة لتتحدّث عن العلم؛ وذلك من أجل التمييز بينه وبين أفكار النفس ووساوس الشيطان، فتتحدّث عن الذين أوتوا العلم، وكيف يعلمون أنّه الحقّ من ربّهم، وكيف تسلم قلوبهم له: {فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ}، حيث لا يمكن للإنسان أن يستغني عن هداية الله لمعرفة الحقّ؛ لأنّه هو الذي يهدي إلى الصراط المستقيم، ثمّ تعود الآية الرابعة من جديدٍ لتبيّن الحالة النفسيّة التي تصيب مَن اتّبع هوى النفس ورفض الإقرار بالحقّ: {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ}، ولا سبيل لكشف الغشاوة عن قلوبهم إلّا بأن تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذابُ يومٍ عقيم.
والنتيجة المتحصّلة من هذه الآيات: هي أنّ الأمنيات وما تهواه النفس هما مصدر كلّ الأفكار والمعتقدات الضالّة، والمعيار الذي وضعته الآيات للتمييز بين أفكار النفس وأفكار العقل هو البرهان.
وغير ما تقدّم، هناك الكثير من الآيات التي جعلت البرهان هو المعيار العام للتمييز بين الأفكار.
ثانياً: المعيار الخاصّ:
المقصود به هو شهادة الإنسان على نفسه، وإقراره بالحقّ في عمق وجدانه، فمهما حاول الإنسان التحايل على الآخرين، لا يمكنه التحايل على ما تسرّ به نفسه، قال الله تعالى: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 14ـ15]. وعليه، فإنّ المعارف والأفكار والمعتقدات هي مسؤوليّةٌ فرديّةٌ قبل أن تكون مسؤوليّة مجتمعاتٍ أو أمّة.
لقد أشارت الكثير من الآيات القرآنية إلى علم الإنسان بالحقّ في داخله، ومع ذلك قد يختار الباطل لهوى في نفسه.
قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 71]، فهم يعلمون الحقّ، لكنّهم يكتمونه ويلبسونه بالباطل اتّباعاً لأهوائهم.
وقال تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42]. وأيضاً قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14]. وهذه الآيات تكشف عن ضمير الإنسان الداخليّ، الذي يجعله مسؤولاً عن الحقّ الذي يراه في نفسه، حتّى وإنْ كتمه أو جحده.
وقد بيّنت آياتٌ أخرى السبب وراء ميل الإنسان إلى الباطل رغم علمه بالحقّ، وأرجعت ذلك إلى هوى النفس. قال تعالى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70].
اترك تعليق