كيف نميز بين وسوسة الشيطان ووسوسة النفس الأمارة بالسوء؟
كيف نميز بين وسوسة الشيطان ووسوسة النفس الأمارة بالسوء؟
الإجابة:
أشارت النصوص الإسلاميّة إلى وجود نوعين من الوسوسة، الأولى تعود إلى النفس، والثانية تعود إلى الشيطان.
فبالنسبة لوسوسة النفس قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، وفي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «لكلِّ قلبٍ وسواس، فإذا فتق الوسواس حجاب القلب نطق به اللسان وأخذ به العبد، وإذا لم يفتق القلب ولم ينطق به اللسان فلا حرج» [تاريخ دمشق ج53 ص140].
وبالنسبة لوسوسة الشيطان قال تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى} [طه: 120]، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «إذا وسوس الشيطان إلى أحدكم فليتعوّذ بالله، وليقل: آمنتُ بالله وبرسوله مخلصاً له الدين» [الخصال ص624].
وإذا كانت النصوص قد فرّقت بين وسوسة النفس ووسوسة الشيطان فمن الممكن أن نكتشف تلك الفوارق من خلال طبيعة الشيطان ووظيفته، وطبيعة النفس ووظيفتها.
فإذا نظرنا للنفس نجد أنّ الأهواء والشهوات والغرائز هي التي تتحكّم في ميولها، قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14]، فالآية تتحدّث عن طبيعة المتاع في الدنيا، وفي الوقت نفسه تتحدّث عن طبيعة ما تهواه النفس الإنسانيّة، وعند هذا المستوى يتساوى جميع البشر، فمطامعهم واحدةٌ، ورغباتهم مشتركة.
ومن الطبيعي في هذه المرحلة أن تحدّث كلَّ إنسان نفسُه بالحصول على متع الحياة، إلّا أنّ هناك مرحلةً ثانيةً فيها ينقسم البشر إلى مؤمنٍ وكافرٍ، وهي المرحلة التي أشارت لها الآية بقوله: {وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}، في إشارةٍ إلى وجود حياةٍ أخرى غير حياة الدنيا، وهنا يأتي دور الشيطان الذي يعمل على صرف الإنسان عن حياة الآخرة ويجعل كلّ اهتمامه على الحياة الدنيا، فالشيطان يستغلّ رغبة الإنسان وميله النفسيّ لملذّات الحياة فيحجبه عن رؤية الآخرة، ومن هنا يمكننا القول إنّ كلّ وسوسة في الصدر تدعو الإنسان لعمل فيه مخالفة لما أراد الله هي من الشيطان، أمّا ما يجول في النفس من رغبات وتمنّيات دون أن تكون مدخلاً يستغلّه الشيطان هي من وساوس الصدر التي لا يحاسب الإنسان عليها.
وهذا صريح كثيرٍ من الروايات، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «إنّ الله تبارك وتعالى عفا عن أمّتي وساوس الصدور» وروي عنه أيضاً: «إنّ الله تجاوز لأمّتي عمّا تحدّث به أنفسها، إلّا ما كان يعقد عليه». وعن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه سئل عن حديث النفس، فقال: «مَن يطيق ألّا تحدّث نفسه؟...»، وفي رواية أخرى قال: «وسألت العالم (عليه السلام) عن الوسوسة، وإنْ كثرت، قال: لا شيء فيها، تقول: لا إله إلا الله» [فقه الرضا ص385].
وعليه، فإنّ أساس وسوسة الشيطان وغايتها هي إضلال الإنسان، بينما وسوسة النفس هي رغبات النفس وشهواتها، فيمكن للنفس أن توسوس بشيءٍ، ويمكن تحقيق ذلك الشيء بالحلال، إلّا أنّ وظيفة الشيطان هي ترغيبها في تحقيقه بالحرام.
وأفضل وسيلة لمعرفة وسوسة الشيطان هي معرفة ما يريده الشيطان من الإنسان، وقد بيّنت آيات القرآن ذلك في كثيرٍ من الآيات، ومن خلال الوقوف على تلك الآيات يمكن التعرّف على نوع الوسوسة الشيطانيّة، قوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169]، وقال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم} [البقرة: 268]، وقال تعالى: {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا} [النساء: 119]، وقال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} [المائدة: 91]، إلى غير ذلك من الآيات التي تبيّن أهداف الشيطان وغاياته.
وتناولنا في إجابةٍ أخرى كيفيّة التمييز بين الفكرة النابعة من النفس والهوى وبين الفكرة النابعة من العقل والعلم، يستحسن مراجعتها.
اترك تعليق