هل تدرج الكائنات الحية على مدى العصور الجيولوجية يثبت نظرية التطور؟
السؤال: سؤالٌ واحدٌ يسقط نظريّة الخلق وهو: لقد ثبت قطعاً ويقيناً من الجيولوجيا التاريخيَّة أنَّ طبقات الأرض كلّما كانت أقدم كانت تضمُّ أحياءً برتبةٍ أدنى، وكانت أحدث، كانت تحتوي على كائناتٍ أرقى من سابقتها، والأمر متدرّجٌ من البكتريا إلى حقيقة النواة إلى متعدّد الخليّة وصولاً إلى أسماك العالم القديم، مروراً بالفقريّات والأسماك ثم البرمائيَّات والحيوانات البريّة ثم اللّبائن، ثم تنوّع اللّبائن وتضخّمها... إلخ، فلماذا خلق الله الخلق بدفعاتٍ في فتراتٍ زمنيّةٍ مختلفةٍ، وكلّ فترةٍ يخلق فيها مجموعة مخلوقاتٍ أكثر رقيّاً من سابقتها بحيث من يراها يتصوّر أنَّها متطوّرةٌ عن سابقتها؟ هل يريد الله أنْ يخدعنا مثلاً برأي هؤلاء منكري نظريّة التطوّر؟! تعالى الله عن ذلك. وهل لديهم تفسير علميّ منطقيّ غير التطوّر لهذه الدفعات المتوالية زماناً ورقيّاً وتعقيداً؟ ولو أخذنا كمثال: الحيتان والدلافين التي تعيش الآن في الماء وتُعتبر متطوّرةً عن لبائن كانت تعيش على اليابسة، فسنجد في الأحفوريّات المكتشفة حتّى الآن سلسلة كائناتٍ متوسّطةٍ متوالية الظهور زماناً يفصل بعضها عن بعض ملايين السنين تبدأ كلبائن بريّةٍ ثم تتدرّج للنزول في الماء والعيش فيه، وكلّ مجموعةٍ نجدها تتطوّر أكثر للعيش في الماء بكلّ سلاسةٍ حتّى وصلنا في النهاية إلى الحوت، فهل هناك تفسيرٌ معقولٌ، أو جوابٌ معقولٌ عن سبب خلق الله لهذه الكائنات وبفتراتٍ زمنيّةٍ متواليةٍ؟ بحيث إنّ من يراها يجزم أنّ الحوت هو نتيجةٌ حتميّةٌ لهذه السلسلة من الكائنات المتوالية الظهور زماناً والمتوالية التطوّر نحو الحياة في الماء؟!!
الجواب:
تناولنا في أجوبةٍ سابقةٍ نظريّة التطوّر، وناقشنا مزاعمها من عدّة زوايا، ومن العناوين التي تمّ نشرها في موقعنا: (أيّهما مثبت علميّاً: نظريّة الخلق أم نظريّة التطوّر)، (هل نظريّة التطوّر تتعارض مع الدّين)، (نقد نظريّة النشوء والارتقاء)، (هل الداروينيّة نظريّة متماسكة علميّاً)، وغيرها من العناوين التي تمّ نشرها في الموقع. ومع ذلك لم تشتمل إجاباتنا السابقة على ردٍّ تفصيليٍّ على مَن يستدلّ بتدرّج الكائنات الحيّة بحسب طبقات الجيولوجيا؛ ولذا سوف نكتفي هذه الإجابة عن هذا الادّعاء دون التطرّق للجوانب الأخرى من نظريّة التطوّر.
أوّلاً: ليس هناك رابط منطقيّ وضروريّ بين وجود تدرّج في الكائنات على مرّ العصور الجيولوجيَّة وبين نظريّة التطوّر، فهذه الأحافير – وببساطةٍ - يمكن تفسيرها بالتسلسل في الخلق وليست هي تطوّراً تدريجيّاً، فمن المهمّ التفريق بين التزامن الزمنيّ الذي يظهر في الطبقات الجيولوجيَّة وبين فرضيّة أنّ تلك الكائنات قد تطوّرت بالضرورة بعضها من بعض.
فعلى سبيل المثال، ما يُعرف بالعصر الكامبريّ - وهو أوّل العصور الستّة من حقبة الحياة القديمة قبل حوالي 540 مليون سنة - تؤكّد الدراسات في هذا العصر على ظهورٍ مفاجئٍ لأشكال حياةٍ معقّدةٍ ومتنوّعةٍ دون وجود أدلّةٍ واضحةٍ على مراحل سابقةٍ من التطوّر التدريجيّ لهذه الأشكال، وعليه هذا التناقض الواضح يمثّل تحدّياً كبيراً لنظريّة التطوّر التقليديّة، حيث يُفترض أنّ الكائنات تظهر تدريجيّاً عبر ملايين السنين، ولكن ما حدث في العصر الكامبريّ يعاكس هذا الافتراض ويشير إلى أنّ أشكالاً متقدّمةً من الحياة ظهرت فجأة، الأمر الذي يتوافق أكثر مع نظريّة الخلق المباشر.
وثانياً: لو سلّمنا بوجود تدرّجٍ في الكائنات الحيّة، فإنّ ذلك لا يعارض نظريّة الخلق بالضرورة؛ وذلك لأنّ الله سبحانه وتعالى في خلقه للكائنات الحيّة قد يتّبع ترتيباً زمنيّاً يتناسب مع البيئات والتغيّرات التي تحدث في الكون بمرور الوقت، وبالتالي يمكن تفسير ذلك على أنّه خلقٌ متجدّد وليس تطوّراً عشوائيّاً، يقول تعالى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [ق: 15]، فالله يخلق الكائنات في فتراتٍ مختلفةٍ، وهذا الخلق المتجدّد لا يُلغي فكرة الترتيب المنطقيّ أو التسلسل في وجود الكائنات، بل يعزّزه وفق قوانين وسنن كونيّة وضعها سبحانه وتعالى {مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ} [الرحمن: 3]، ممّا يشير إلى نظام وترتيب محكم.
وثالثاً: الحيتان والدلافين تُستخدم في كثيرٍ من الأحيان مثالاً لتوضيح ما يُعتقد أنّه (تطوّر) من كائناتٍ بريّةٍ إلى مائيّة، وهذا لا يمكن التسليم به علميّاً؛ لوجود فجواتٍ كبيرةٍ بين الأنواع المختلفة التي يُفترض أنّها تمثّل سلسلةً تطوّريّةً واحدةً، وكلّ ما هو مذكورٌ لا يتعدّى أن يكون نتيجة تأقلم تلك الكائنات مع بيئاتها، وليس نتيجة تطوّرٍ بيولوجيٍّ تدريجيٍّ بالمعنى التقليديّ، فالقدرة على التأقلم هي سمةٌ فطريّةٌ وضعها الله في العديد من الكائنات الحيّة، والتأقلم يمكن أن يُغيّر الصفات الشكليّة أو السلوكيّة للكائنات الحيّة دون أنْ يعني ذلك أنّها تطوّرت لتصبح نوعاً مختلفاً بالكامل.
فواحدة من التحدّيات الكبرى التي يواجهها التطوّريّون هي مشكلة الانتقال بين الأنواع، وبعبارة أخرى: النقص في الحلقات الوسيطة، فالكثير من العلماء يسأل عن غياب أشكالٍ انتقاليّةٍ كافيةٍ بين البرمائيّات والزواحف أو بين الطيور والثدييّات.
ورابعاً: إنّ تنوّع الكائنات الحيّة وتعقيد تصميماتها يشير إلى إبداعٍ إلهيٍّ مُذهل، وتطوّر الحياة عبر الزمن يمكن أن يكون منظّماً وموجّهاً من قِبل الله تعالى، ولا يعني أبداً أنّ هناك حاجةً للإيمان بنظريّة تطوّرٍ عشوائيّة، فالحكمة الإلهيّة تظهر في توافق الكائنات مع بيئاتها واحتياجاتها المتغيّرة؛ لذا فإنّ فكرة أنّ الخلق تمّ في دفعاتٍ زمنيّةٍ متواليةٍ هو تفسيرٌ منطقيٌّ ومعقولٌ للتنوّع والتدرّج الذي نراه في الحفريّات.
والادّعاء بأنّ الله يريد خداعنا بالتدرّج الذي نراه في الطبقات الجيولوجيَّة أو الأحافير، يدلّ على عدم معرفةٍ بالله وحِكمته في الخلق، فالخلق التدريجيّ عبر العصور يعكس حِكمة الله وإبداعه سبحانه وتعالى، فالله يخلق وفق نظامٍ وترتيبٍ محكمٍ يتناسب مع كلّ عصرٍ وكلّ بيئة، وهذا التنظيم والترتيب يظهر جليّاً في الطبيعة والكون، ويجعلنا ندرك أنّ وراء هذا الإبداع عقلًا مدبّراً.
اترك تعليق