هل الكون عبثي؟

السؤال: دائماً ما يستشهد المؤمن على وجود الله بدقّة هذا الكون غير المتناهية، وأنّ هذا الكون غير عبثيّ، والحقيقة هي أنّ كوننا هذا عبثيٌّ جدّاً، والدليل على ذلك: انظر لمجموعتك الشمسيّة، وسترى كمّيّة العبث فيها، فجميع كواكب المجموعة غير صالحةٍ للحياة، ولا تناسب حياة البشر، فقط هذا الكوكب الصغير جدّاً جدّاً والمزدحم والمحدود الموارد هو المكان الوحيد الصالح للحياة، أمّا الباقي فهو عبثٌ كونيٌّ لا نهاية له.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

تناولنا في إجابةٍ سابقةٍ إشكاليّةً مشابهةً تتعلّق بادّعاء العشوائيّة في النظام الكونيّ، حيث نشرنا الردّ تحت عنوان: (هل النظام الكونيّ عشوائيّ؟)، وقد استند ذلك الادّعاء إلى بعض المعلومات حول المدارات الكونيّة غير المنتظمة، أشعّة جاما القاتلة، الثقوب السوداء التي تبتلع كلّ شيء، والاصطدام الحتميّ بين مجرّتنا ومجرّة أندروميدا.

ومع ذلك، لا يمكن الاكتفاء بتلك الإجابة للردّ على الادّعاء الجديد؛ إذ يستند هذا الادّعاء في إثبات عشوائيّة النظام الكونيّ على وجود كواكب غير صالحةٍ للحياة، وللردّ على هذا الادّعاء نحتاج إلى تناول مجموعةٍ من النقاط الجوهريّة التي تتعلّق بفهم الكون، طبيعة الوجود، والمفاهيم الفلسفيّة والعلميّة المرتبطة بالحياة، والتصميم الكونيّ، ونلخّص الردّ في عدّة محاور:

1ـ الدقّة في الكون لا تعني توفير الحياة في كلّ جزءٍ منه:

إنّ القول بأنّ (الكون دقيقٌ وغير عبثيّ)، لا يعني بالضرورة أنّ كلّ جزءٍ فيه يجب أن يكون صالحاً للحياة، فهذه الفكرة تعكس سوء فهمٍ لمفهوم الدقّة الكونيّة، فقد أثبت العلم الحديث أنّ الكون يتمتّع بدقّةٍ تنظيميّةٍ على كافّة المستويات، بدءاً من قوانين الفيزياء الثابتة وصولاً إلى القوى الأساسيّة الأربع: قوّة الجاذبيّة، القوّة الكهرومغناطيسيّة، القوّة النوويّة القويّة، والقوّة النوويّة الضعيفة. إضافةً إلى ذلك، فإنّ ثوابت الطبيعة - مثل الكتلة الذرّيّة والجاذبيّة - تؤكّد على أنّ الكون في غاية الدقّة والنظام.

ووجود كواكب غير صالحةٍ للحياة لا يتناقض مع هذه الدقّة، بل يعزّزها، فالحياة تتطلّب بيئةً محدّدةً جدّاً ذات شروطٍ دقيقةٍ للغاية، والنظام الكونيّ الدقيق هو الذي يوفّر شروط الحياة على سطح الأرض، وعليه لا يمكن النظر إلى الحياة على الأرض بعيداً عن مجمل النظام الذي يحكم الكون بمجمله، فالنظام الكونيّ حقيقةٌ بديهيّةٌ وضروريّةٌ دون أن يكون الهدف منه أن يكون كلّ جزءٍ منه مأهولاً بالحياة.

2ـ الدليل على النظام مقابل العبثيّة:

الادّعاء بأنّ وجود كواكب غير صالحةٍ للحياة يُعتبر دليلاً على عبثيّة الكون يفتقر إلى تأصيلٍ علميٍّ دقيق، على العكس من ذلك، توجد العديد من الأدلة التي تشير إلى وجود نظامٍ محكمٍ ومتوازنٍ في الكون، فبالإضافة إلى القوانين الفيزيائيّة والكيميائيّة وغيرها من القوانين التي تؤكّد دقّة هذا النظام، فإنّ وجود كواكب غير صالحةٍ للحياة يُعتبر بحدّ ذاته دليلاً على هذا التوازن الكونيّ، فهذه الكواكب تلعب دوراً حيويّاً في استقرار الأنظمة النجميّة، كما هو الحال مع كوكب المشتري الذي يساهم في حماية الأرض من اصطدام الكويكبات الكبيرة، ممّا يعزّز فكرة النظام الدقيق في الكون.

3ـ صلاحيّة الأرض للحياة دليلٌ على عدم عبثيّة الكون:

إذا كان الكون حقّاً عبثيّاً كما يدّعي صاحب الشبهة، فلماذا نجد الأرض من بين هذا "العبث"، تتوفّر فيها كلّ الشروط الدقيقة للحياة؟ هذه الظروف تتضمّن المسافة المثلى عن الشمس التي تضمن درجات حرارةٍ مناسبة، ووجود غلافٍ جوّيٍّ متّزن يحمي من الإشعاعات الضارّة ويحافظ على المناخ، وكذلك وجود الماء بوفرة، وهو عنصرٌ أساسيٌّ لاستمرار الحياة، هذه الشروط لو تغيّرت بمقدارٍ طفيفٍ، لكانت الحياة مستحيلة، وعليه وجود كوكبٍ واحدٍ صالحٍ للحياة لا يدلّ على عبثيّة، بل على استثناءٍ مقصودٍ يعكس وجود قوانين ونظامٍ كونيٍّ محسوبٍ بدقّةٍ سمح بظهور الحياة على الأرض، ممّا يبرهن على أنّ الكون يخضع لتصميمٍ دقيقٍ ومتوازنٍ على مختلف المستويات وليس عشوائيّاً.

4ـ الحياة ليست هي الهدف من وجود جميع الكواكب:

الاعتقاد بأنّ الكون بأكمله يجب أنْ يكون صالحاً للحياة ينطلق من افتراضٍ أنّ الحياة بأيّ شكلٍ كانت هي الهدف من وجود الكواكب، وهذا تبسيطٌ مفرطٌ من المنظور الفلسفيّ والدينيّ، فالحياة المشتملة على الحِكمة والغاية هي الهدف من وجود الكون وليس مطلق الحياة، فالله خلق كلّ شيءٍ للإنسان وخلق الإنسان للعبادة، وقد خصّص الله الأرض للإنسان ليقوم بهذا الدّور، فما هو الدّاعي أن تكون هناك حياةٌ في كوكبٍ آخر لا ربط له بفلسفة وجود الإنسان من الأساس؟

فالغاية من وجود الكواكب مضافاً إلى كونها توفّر الشروط المناسبة للحياة على الأرض، فهي أيضاً تساعد الإنسان على التأمّل في عظمة الخلق والتفكّر في قدرة الله تعالى، وبالتالي تتحقّق الغاية من وجود الإنسان وهي العبادة، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]، يقول أمير المؤمنين (ع): «ما رأيت شيئاً إلّا ورأيت الله قبله وبعده وفيه» [شرح الأسماء الحسنى ص189]، ممّا يشير إلى أنّ كلّ ما في الوجود يرمز إلى حكمةٍ إلهيّةٍ وإنْ لم ندركها جميعاً، فالبشر قد يرون بعض جوانب الكون على أنّها "غير مفهومة" أو "عبثيّة"، ولكنّ هذا يعود إلى قصورٍ في الفهم البشريّ، وليس إلى قصورٍ في الخلق الإلهيّ.

5ـ مفهوم العبث يحتاج لإعادة تعريف:

العبثيّة كما يتصوّرها البعض تأتي من نظرةٍ محدودةٍ للغاية من الكون، فالفضاء الواسع والأجرام السماويّة قد لا تبدو لنا من الناحية البشريّة "منطقيّة" أو "ذات غاية واضحة"، ولكنّها جزءٌ من نظامٍ كونيٍّ مترابطٍ يعكس قوانين صارمة تضمن استمراريّة الكون بأكمله، فحتّى الأجزاء التي تبدو "فارغة" أو "غير مجدية" هي ضروريّةٌ لاستقرار الكون وعليه، فالكون يعمل عبر نظامٍ متكاملٍ يتطلّب مساحاتٍ فارغةً وكواكب غير مأهولةٍ لدعم وجود الحياة في أجزاءٍ أخرى منه، ووجود حياة على الأرض ضمن هذا النظام المعقّد يدلّ على وجود تخطيطٍ دقيقٍ وضع كلّ شيءٍ بمقدار.

مثلاً، نظريّة (الثوابت الكونيّة) أو (الضبط الدقيق) توضّح أنّ العوامل التي تسمح بوجود الحياة على الأرض تتطلّب قيماً محدّدةً وثابتةً جدّاً لبعض المعايير الفيزيائيّة، وتغييرٌ طفيفٌ جدّاً في الجاذبيّة أو القوّة النوويّة القويّة مثلاً سيؤدّي إلى كونٍ مختلفٍ تماماً لا يمكن أن يدعم الحياة بأيّ شكل.

يقول عالم الفيزياء البريطانيّ بول دافيس: (هناك اتّفاقٌ واسعٌ في الوقت الحاليّ بين الفيزيائيّين وعلماء الكون بأنّ الكون فيه توافقٌ دقيقٌ للحياة في العديد من النواحي)، ويضيف قائلاً: (ولا نستنتج من ذلك بأنّ الكون قد صُقِل للحياة، بل إنّ الكون قد صُقِل لبناء العوامل الأساسيّة التي تحتاجها الحياة) [يُنظَر: ويكيبيديا، التوافق الدقيق للكون].