هل استعانة أهل البيت بالأطباء تتعارض مع عصمتهم؟

السؤال: هل يحتاج أهل البيت (عليهم السلام) إلى أطبّاء لعلاج ما يجري عليهم من أمراض؛ إذ أفادت بعض الأخبار أنّهم استعانوا بهؤلاء في حياتهم الشريفة؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الإجابة:

من المسلّمات في العقيدة الشيعيّة أنّ الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام) مبرّؤون من الأمراض التي قد تسبّب نفور الناس منهم أو تمنعهم من القيام بواجباتهم التبليغيّة والدينيّة، فلا يُصابون بالأمراض التي تشوّه هيبتهم، أو تُقلّل من مقامهم، أو تقدح في احترامهم، أو تؤثّر على مهامّهم التوجيهيّة، قال السيّد المرتضى: (فإنْ قيل: أفتصحّحون ما رُوي: من أنّ الجذام أصابه [يعني نبيّ الله يعقوب (ع)] حتّى تساقطت أعضاؤه؟ قلنا: أمّا العلل المُستقْذَرة التي تُنفّر مَن رآها وتُوحشه كالبرص والجذام، فلا يجوز شيءٌ منها على الأنبياء) [تنزيه الأنبياء ص92].

روى الشيخ الصدوق عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عليهما السلام)، قال: «إنّ أيّوب مع جميع ما ابتُلي به لم تنتُن له رائحة، ولا قبحت له صورة، ولا خرجت منه مدّةٌ من دمٍ ولا قيح، ولا استقذره أحدٌ رآه، ولا استوحش منه أحدٌ شاهده، ولا تدوّد شيءٌ من جسده، وهكذا يصنع الله عزّ وجلّ بجميع مَن يبتليه من أنبيائه وأوليائه المكرّمين عليه، وإنّما اجتنبه الناس لفقره وضعفه في ظاهر أمره، لجهلهم بما له عند ربّه تعالى ذكره، من التأييد والفرج، وقد قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): أعظم الناس بلاءً الأنبياء ثمّ الأمثل فالأمثل.

وإنّما ابتلاه الله عزّ وجلّ بالبلاء العظيم الذي يهون معه على جميع الناس لئلّا يدّعوا له الربوبيّة، إذا شاهدوا ما أراد الله أنْ يوصله إليه من عظائم نعمه متى شاهدوه، ليستدلّوا بذلك على أنّ الثواب من الله تعالى ذكره على ضربين: استحقاقٌ واختصاص، ولئلّا يحتقروا ضعيفاً لضعفه، ولا فقيراً لفقره، وليعلموا أنّه يُسقم مَن يشاء ويشفي مَن يشاء، متى شاء، كيف شاء، بأيّ سببٍ شاء، ويجعل ذلك عبرةً لمَن شاء، وشفاءً لمَن شاء، وسعادةً لمَن شاء، وهو عزّ وجلّ في جميع ذلك عدلٌ في قضائه، وحكيمٌ في أفعاله، لا يفعل بعباده إلّا الأصلح لهم، ولا قوّة لهم إلّا به» [الخصال ج2 ص400].

وهناك عدّة حوادث في التاريخ الإسلاميّ تشير إلى أنّ الأئمّة (عليهم السلام) استعانوا بالأطبّاء لعلاج الأمراض، وهذه الاستعانة لا تُنقص من مقامهم ولا تُقلّل من عصمتهم.

على العكس، هذه الحوادث تُؤكّد أنّهم كانوا يُعلّمون الأمّة ضرورة التوازن بين الاعتماد على الله سبحانه وتعالى والأخذ بالأسباب الطبيعيّة التي سنّها الله في الكون، فالأئمّة لم يرفضوا العلاج الطبّيَّ، بل استخدموه وسيلةً لتوجيه الناس إلى أنّ العلاج لا يُناقض التوكّل، بل هو جزءٌ من السنن الإلهيّة في الحياة.

أمّا إذا كان منظور السائل هو وجود تعارضٍ بين عصمتهم وولايتهم التكوينيّة، وبين حاجتهم لمَن هو دونهم من الأطبّاء، فنقول: إنّ أهل البيت (عليهم السلام) معصومون عن الخطأ والزلل في أمور الدين والدنيا وفي كلّ ما يرتبط بالهداية الإلهيّة، فالعصمة والمعرفة الإلهيّة لا تعني الاستغناء عن الأسباب الطبيعيّة التي وضعها الله في الكون، ولا تعني خرق سنن الطبيعة في كلّ تصرّفاتهم اليوميّة، فيُمكن أن يعلم الإمام بدقّةٍ ما سيحدث أو كيفيّة العلاج، لكن الحكمة قد تكون في اتّخاذ الأسباب الطبيعيّة لتعليم الناس الالتزام بها، أو لتكون جزءاً من سنّة الحياة.

وفي المحصّلة، أهل البيت (عليهم السلام) لا يحتاجون للأطبّاء من باب الجهل بالعلاج أو نقصٍ في علمهم، ولكنّهم يأخذون بالأسباب الطبيعيّة التي وضعها الله للناس وسيلةً لتعليم البشر وتوجيههم إلى الاعتماد على الله مع الالتزام بالسنّة الكونيّة.