هل تُرفض العلمانية إسلاميا لأنها تمنع من السيطرة والهيمنة؟

السؤال: الإسلاميون يعلمون أنَّ العلمانيَّة ليست ضد الدين، بل هي الإطار الوحيد للتعايش بين الأديان، لكنَّهم يرفضونها؛ لأنَّهم يريدون ويودُّون السيطرة وفرض وصايتهم على المجتمع، ولأنَّهم لا يستطيعون فرض قيمهم إلَّا في إطار الوصاية... والعلمانيَّة هي عدم استعمال الدين في السياسة وعدم استعماله في حقل السلطة أو التسلط.. (يبقى اختياراً حرَّاً لدى الاشخاص) وعندما يتديَّن المرء وحده فهو يمارس الدين، وعندما ينادي الآخرين ليتديَّنوا معه فهو يمارس السياسة". د. محمد عابد الجابريّ

: الشيخ معتصم السيد احمد

الإجابة:

اشتهر محمد عابد الجابريّ بتحليلاته للفكر العربيّ والإسلاميّ، وقدّم نقداً للعقل العربيِّ، واهتمّ بتحليل العلاقات بين الدين والسياسة، وقد تبنّى في عدّة مناسباتٍ الفصل بين الدين والسياسة بما يتماشى مع تصوّراته عن الحداثة في العالم العربيّ، ومع ذلك، لم نقف على هذا الاقتباس بعينه في أعماله المشهورة بشكلٍ مباشرٍ؛ لذا فإنّ نسبته بشكلٍ دقيقٍ تحتاج إلى تأكيدٍ إضافيّ من المصادر الأكاديميّة الموثوقة أو من كتاباته الأصليّة؛ ولذا سنكتفي بمناقشة الفكرة بعيداً عن قائلها.

ولتقديم ردٍّ متوازنٍ على فكرة أنّ (العلمانيَّة هي الإطار الوحيد للتعايش بين الأديان)، وأنّ الإسلاميّين يرفضونها بدافع السيطرة، يتطلّب تناول الموضوع من جوانب متعدّدةٍ تبرز العلاقة بين الدين والسياسة في المجتمعات الإسلاميّة، ولا يخفى أنّ هذا العنوان مثار جدلٍ واسعٍ، وكتبت حوله عشرات الكتب والدراسات، ولوضع هذا العنوان في المسار الذي يجب أنْ نفكر فيه، لا بدّ من توضيح بعض النقاط التي تدخل في صميم العلاقة بين الدين والسياسة.

أولاً: الدين جزءٌ أساسيٌّ من الحياة العامّة للمجتمعات الإسلاميّة:

في المجتمعات الإسلاميّة، الدين ليس مجرّد أمرٍ خاصٍّ وشخصيٍّ ينحصر في ممارسة الشعائر والعبادات، وإنّما هو نظامٌ متكاملٌ يشمل الجوانب الروحيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والقانونيّة. هذا التكامل يجعل من الدين مرجعيّةً أخلاقيّةً وسلوكيّةً للمجتمع، حيث تلعب القيم المستمدّة من الشريعة الإسلاميّة دوراً في توجيه الأفراد والمجتمع نحو ما يعتبره الدين صالحاً وخيراً.

والنقطة الأساسيّة هنا: هي أنّ العلمانيَّة تدعو إلى فصل الدين عن الدولة، لكنّها تفشل في تقديم بديلٍ أخلاقيٍّ شاملٍ للمجتمعات التي تعتمد على الدين مرجعاً أساسيَّاً، هذا الفصل قد يؤدّي إلى فراغٍ أخلاقيٍّ، خصوصاً في السياقات التي يشكّل فيها الدين البنية التحتيّة للقيم الاجتماعيّة، فإذا كان هدف العلمانيَّة الحفاظ على التعايش بين الأديان، فإنّ هذا التعايش لا يتحقّق بإقصاء الدين من المجال العام، بل من خلال فهم كيفيّة التوفيق بين المبادئ الدينيّة والممارسات السياسيّة في إطار يحترم التعدّدية.

وعليه، يجب التفريق بين الإسلاميّين الذين يسعون لفرض نظاٍم سياسيٍّ باسم الدين، وبين مَن يرون أنّ الدين يوفّر إطاراً أخلاقيّاً للحياة العامّة دون أن يتطلّب الهيمنة على مؤسّسات الدولة، فالسياسة في الإسلام يجب أن تكون حركةً أخلاقيّةً تسعى لبناء مجتمعٍ تقوم روابطه على قيم الحقّ والفضيلة، وتعمل على رفض كلّ المظالم بما فيها الاضطهاد السياسيّ والاستئثار بالسلطة، وتسعى لتحقيق العدل والمساوة وإقامة الحقوق وتحقيق الرفاه والتنمية، والدفع بالأمم والمجتمعات الى الأمام، لتحقيق تكامل الإنسان وبناء حضارة الإسلام، وتتوسّل السياسة في الإسلام لتحقيق ذلك بالصدق والإخلاص وكلّ قيم الفضيلة والأخلاق، وهذا الواقع الطموح أو الحقيقة المفترضة هي التي تنسجم مع الفهم الذي ينظر للإسلام بوصفه رسالةً للحياة، وليس فقط لتدبير شؤن الإنسان بعد الموت وعالم الآخرة.

وثانياً: التفاعل بين الدين والسياسة ليس أداة هيمنة، بل ضمانة للعدالة والقيم الأخلاقيّة:

إنّ القولَ بأنّ الإسلاميّين يرفضون العلمانيَّة فقط لأنّها تمنعهم من فرض السيطرة، اختزالٌ وتعميمٌ غير مبرّر، فالعمل السياسيّ في نظر الكثيرين هو دمج القيم الدينيّة في السياسة؛ لأنّ الدين يوفّر معايير أخلاقيّةً للحكم العادل، فالدين - في حقيقة الأمر - يمثّل الضمير الأخلاقيّ الذي يمنع الفساد والظلم والاستبداد، والشريعة هي التي توفّر معايير العدالة الاجتماعيّة وتحفظ حقوق الفقراء والمحتاجين.

ومن هذا المنظور، التفاعل بين الدين والسياسة ليس مسألة هيمنة أو وصاية، بل هو محاولة لخلق مجتمعٍ يقوم على العدالة والأخلاق، فالشريعة ليست وسيلة للسيطرة، وإنّما هي وسيلة لتطبيق القيم الأخلاقيّة التي تؤدّي إلى مجتمع أكثر عدلاً وأماناً. حتّى في الحكم الإسلاميّ التقليديّ، كانت هناك فكرة (البيعة) والولاء من الأمّة، ممّا يعني أنّ الحاكم مسؤولٌ أمام الله والناس عن تطبيق العدل، وليس استخدام الدين كأداة للتسلّط.

وثالثاً: فصل الدين عن الدولة في السياق الإسلاميّ قد يؤدّي إلى فقدان التوازن القيمي:

العلمانيَّة التي تفصل الدين عن السياسة قد تكون فعّالة في المجتمعات التي تشهد تعدّداً دينيّاً وثقافيّاً واسعاً كما في أوروبا أو الولايات المتحدة، حيث لم يكن للدين دورٌ مركزيٌّ في تكوين الهويّات الوطنيّة أو السياسيّة، ولكن في المجتمعات الإسلاميّة، حيث يُشكّل الدين جزءاً لا يتجزأ من الهويّة الثقافيّة والاجتماعيّة، فإنّ الفصل التام بين الدين والسياسة قد يؤدّي إلى تفكّك القيم الاجتماعيّة.

وبالتالي، إنّ عدم استخدام الدين في السياسة ليس بالضرورة هو الحلّ الأمثل في جميع السياقات، خاصّة في مجتمعات ذات تاريخٍ طويلٍ من التداخل بين الدين والهويّة السياسيّة مثل الدول الإسلاميّة، فإذا كان الدين جزءاً جوهريّاً من النسيج الثقافيّ والاجتماعيّ لشعبٍ معيّنٍ، فإنّ فصله تماماً عن السياسة قد يؤدّي إلى صراعاتٍ داخليّةٍ تعمّق الهوّة بين القيم المجتمعيّة والقوانين.

على سبيل المثال، في الدول التي قامت بمحاولات لتطبيق العلمانيَّة الصارمة - مثل بعض الدول العربيّة خلال القرن العشرين -، حدثت مشكلاتٌ اجتماعيّةٌ نتيجة الصراع بين الأنظمة العلمانيَّة والشعوب المتديّنة، عندما يُفرَض على المجتمع التخلّي عن قيمه الدينيّة في المجال العام، فإنّ ذلك يولّد توتّرات واستقطاباً سياسياً؛ لذلك، التفاعل بين الدين والسياسة يمكن أن يكون عامل استقرارٍ إذا تمّ بناؤه على أساس احترام حقوق الأفراد وحماية الحريّات الدينيّة.

ورابعاً: مفهوم الحريّة الدينيّة في الإسلام:

الدعوة إلى الدين في الإسلام ليست بالضرورة مسألة سياسيّة، فالحريّة الدينيّة تُعتبر جزءاً أساسيّاً من العقيدة الإسلاميّة، قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256]، وقال: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]. هذا يعكس مبدأ حريّة الاختيار في العقيدة، ولكنّ الإسلام أيضاً يدعو إلى الإصلاح الاجتماعيّ والأخلاقيّ، وهذا يشمل دعوة الآخرين إلى الأخلاق والقيم الدينيّة، فالدعوة إلى القيم الإسلاميّة ليست عملاً سياسيّاً يهدف إلى فرض السيطرة، بل هو جزءٌ من الرسالة الأخلاقيّة التي تسعى إلى تعزيز الخير والعدالة في المجتمع.

مضافاً إلى أنّ الحكم في الإسلام ليس مطلقاً أو استبداديّاً، فهناك العديد من المبادئ التي تحكم سلوك الحاكم، مثل: العدل والشورى والمساواة ومحاربة الفساد.

الإسلاميّون الذين يسعون إلى تطبيق هذه المبادئ في السياسة ليسوا بالضرورة يبحثون عن السيطرة أو الوصاية، بل يرون في ذلك واجباً أخلاقيّاً لتطبيق نظامٍ يقوم على القيم الدينيّة التي تعزّز العدالة والإنصاف، وفي هذا الإطار، الحكم الإسلاميّ التقليديّ كان يتطلّب دائماً نوعاً من العقد الاجتماعيّ بين الحاكم والمحكوم.

في المحصّلة، الطرح الذي يقول إنّ الإسلاميّين يرفضون العلمانيَّة فقط لأنّهم يسعون إلى السيطرة، يتجاهل العمق الحقيقيّ لعلاقة الدين بالسياسة، فالإسلام بما يشمله من قيمٍ أخلاقيّةٍ وأطرٍ تشريعيّة، يلعب دوراً رئيسيّاً في بناء مجتمعٍ قائمٍ على العدالة والمساواة، والتفاعل بين الدين والسياسة في السياق الإسلاميّ ليس مجرّد وسيلةٍ للهيمنة، بل هو جزءٌ من محاولةٍ لتنظيم المجتمع على أسسٍ أخلاقيّةٍ تحمي حقوق الأفراد وتضمن العدالة للجميع.