هل هناك خيط رفيع يفصل بين عقيدة التثليث وعقيدة الشيعة في الأئمة؟
السؤال: هناك خيطٌ رفيعٌ جدّاً بين عقيدة التثليث عند النصارى وعقيدة تأليه آل البيت عند الشيعة، ذلك الخيط الرفيع المشترك بين فرقتي الضلال هو: إذا قلتَ للنصارى عيسى (عليه الصلاة والسلام) هو عبد الله وليس ابناً له أو شريكاً له، قالوا: هذا طعنٌ في عيسى وانتقاصٌ له، وإذا قلتَ للرافضة: الحسين عبدٌ مربوبٌ لله لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً فضلاً أنْ يملك ذلك لغيره، قالت المجوس: أنتم أعداء آل البيت وتنتقصون منهم.
الإجابة:
أوّلاً: التثليث في المسيحيّة يقوم على الاعتقاد بأنّ الله هو ثلاثة أقانيم (الأب، الابن، الروح القدس) في جوهٍر واحدٍ، وهذا أساس الإيمان المسيحيّ بأنّ المسيح إلهٌ متجسّدٌ، وهذه العقيدة تتعارض مباشرةً مع الإسلام بجميع طوائفه، بما فيها الشيعة، الذين يؤمنون بوحدانيّة الله المطلقة، بلا شريك أو وسيط في الألوهيّة.
أمّا عقيدة الشيعة فيما يتعلّق بأهل البيت (عليهم السلام)، فهي تنبثق من النصوص القرآنيّة التي تؤكّد على توحيد الله الخالص، ووجوب الطاعة لرسوله وللأئمّة من أهل بيته من بعده، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59]، فالإمامة عند الشيعة منبثقةٌ من الاعتقاد بتوحيد الله تعالى، وهذا ما صرّح به الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) في كثيرٍ من الروايات والأدعية، ففي الحديث عن داود بن القاسم قال: «سمعت عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول: مَن شبّه الله بخلقه فهو مشرك، ومَن وصفه بالمكان فهو كافر، ومَن نسب إليه ما نهى عنه فهو كاذب، ثمّ تلا هذه الآية: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ}» [التوحيد للصدوق ص69]. فالتوحيد هو الأساس الذي يقوم عليه الإسلام الشيعيّ، ولا يوجد فيه أيّ خيطٍ رفيعٍ يربطه بعقيدة التثليث.
وثانياً: الادّعاء بأنّ الشيعة "يؤلّهون" الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) هو افتراءٌ باطلٌ، فهم لا يعتقدون فيهم سوى أنّهم عباد مُكرَمون، عصمهم الله من الزلل، وطهّرهم من الرجس، وفرض طاعتهم على جميع عباده، ومع ذلك فهم عبادٌ لله لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً، فمن دعاء للإمام الصادق (عليه السلام): «اللّهمّ إنّي أصبحتُ لا أملك لنفسي ضرّاً ولا نفعاً، ولا حياةً ولا موتاً، ولا نشوراً، قد ذلّ مصرعي، واستكان مضجعي، وظهر ضرّي، وانقطع عذري، وقلّ ناصري، وأسلمني أهلي ووالدي وولدي، بعد قيام حجّتك عليّ وظهور براهينك عندي ووضوح أدلّتك لي. اللّهمّ وقد أكدى الطلب، وأعيت الحيل، وانغلقت الطرق، وضاقت المذاهب، ودرست الآمال إلّا منك، وانقطع الرجاء إلّا من جهتك، وأخلفت العداة إلّا عدتك» [مهج الدعوات ص181].
وثالثاً: الشيعة يعظّمون ويجلّون أهل البيت (عليهم السلام) لأنّ الله أمر بذلك في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23]، وقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]، وعشرات الآيات التي استدلّ بها الشيعة في كتبهم العقائديّة، وهذا أمرٌ أكّد عليه علماء الشيعة مراراً وتكراراً.
ورابعاً: أيَّة مغالاةٍ في تقدير الأئمّة تتجاوز الحدود المقرّرة في العقيدة الإسلاميّة مرفوضةٌ من قبل علماء الشيعة، فالتشيّع هو الحدّ الوسط بين النصب والغلو، كما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعليّ بن أبي طالب: «يا علي، مثلك في أمّتي مثل المسيح عيسى بن مريم، افترق قومه ثلاث فرق: فرقة مؤمنون وهم الحواريّون، وفرقة عادوه وهم اليهود، وفرقة غلوا فيه فخرجوا عن الإيمان، وإنّ أمّتي ستفترق فيك ثلاث فرق: ففرقةٌ شيعتك وهم المؤمنون، وفرقةٌ عدوّك وهم الشاكّون، وفرقةٌ تغلو فيك وهم الجاحدون، وأنت في الجنّة يا عليّ وشيعتك ومحبّ شيعتك، وعدوّك والغالي في النار» [مائة منقبة ص103].
قال الشيخ الصدوق في تقرير اعتقادات الإماميّة: (اعتقادنا في الغلاة والمفوِّضة أنّهم كفَّارٌ بالله تعالى، وأنّهم أشرّ من اليهود والنصارى والمجوس والقدريّة والحروريّة، ومن جميع أهل البدع والأهواء المضلَّة، وأنّه ما صغَّر الله جلَّ جلاله تصغيرهم شيء) [الاعتقادات ص97].
وقال الشيخ المفيد تعليقاً عليه: (والغلاة من المتظاهرين بالإسلام هم الذين نسبوا أمير المؤمنين والأئمَّة من ذريته (عليهم السلام) إلى الألوهيّة والنبوَّة، ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا إلى ما تجاوزوا فيه الحدّ، وخرجوا عن القصد، وهم ضلَّالٌ كفَّارٌ، حكم فيهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بالقتل والتحريق بالنار، وقضت الأئمَّة (عليهم السلام) عليهم بالإكفار والخروج عن الإسلام) [تصحيح الاعتقادات ص131].
وهذا ينفي أيّ ادّعاء بأنّ الشيعة يؤلّهون الأئمّة أو يعتقدون بأنّهم يملكون قدرة ذاتيّة على التصرّف في شؤون الخلق.
وخامساً: المقارنة التي يستند إليها صاحب الادّعاء هي مغالطةٌ تشبيهيّةٌ زائفةٌ، فالنصارى يدافعون عن ألوهيّة المسيح لأنّهم يعتقدون بها، بينما الشيعة لا يدافعون أصلاً عن ألوهيّة الأئمّة لأنّهم - ببساطة - لا يؤمنون بها؛ وهذا ما صرّح به أمير المؤمنين بقوله: «اللّهمّ إنّي برئٌ من الغلاة كبراءة عيسى بن مريم من النصارى، اللّهمّ اخذلهم أبداً، ولا تنصر منهم أحداً» [الأمالي للطوسي ص650]، فالشيعة يدافعون فقط عن مكانة الأئمّة الثابتة بالقرآن والسنّة، باعتبارهم حججاً إلهيّين وأوصياء ربّانيّين على الأمّة، وهو دفاعٌ عن حقّهم واستحقاقهم، وليس عن ألوهيّة مزعومة.
في المحصلة يمكن تلخيص ذلك في نقاط:
1ـ عقيدة التوحيد عند الشيعة واضحةٌ وثابتةٌ، ومرتكزةٌ على عبادة الله وحده بلا شريك.
2ـ الأئمّة عند الشيعة هم عبادٌ مكرمون، ولهم مقامٌ عظيمٌ كأوصياء وقادة، لكنّهم ليسوا آلهة.
3ـ الاتّهام بالتأليه هو مغالطةٌ وتلفيقٌ، ولا أساس له في العقيدة الشيعيّة.
4ـ أقوال الأئمّة وكلمات علماء الشيعة تؤكّد بشكلٍ جليٍّ رفضهم للمغالاة أو اعتبار الأئمّة شركاء لله تعالى.
اترك تعليق