ما هي الفضيلة في أن يولد الإمام علي في جوف الكعبة وسط الأصنام؟

ما هي الفضيلة في أن يولد الإمام علي في جوف الكعبة وسط الأصنام؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

قبل التحليل في دلالات هذه الحادثة، والكشف عن الرموز الروحيّة فيها، نجيب بجوابٍ سريعٍ لمَن يحاول التقليل من أهميّة ولادته المباركة في هذا المكان المقدّس، فبالإجماع الكعبة هي أقدس مكانٍ عند المسلمين، ولا تؤثّر في قداستها الأصنام التي وُضعت فيها، فتظلّ الكعبة مكاناً مقدّساً حتّى في ظلّ وجود الأصنام فيها، والإمام عليّ (ع) وُلد في هذا المكان الذي أجمعت الأمّة على أنّه أقدس بقاع الأرض، ألا يكفي هذا فضيلةً وميّزةً للإمام عليّ (ع)؟

أمّا فيما يتعلّق بتحليل هذا الحدث، نحن بحاجةٍ إلى فهم السياق التاريخيّ الذي يحيط بواقعة ولادة الإمام عليّ (ع) في الكعبة، فالعديد من المصادر التاريخيّة الإسلاميّة من مختلف المذاهب تشير إلى هذه الحادثة على أنّها حدثٌ استثنائيٌّ لم يحدث مع أيّ شخصٍ آخر، فنجد مثلاً الحاكم النيسابوريّ يتحدّث عن تواتر هذه الحادثة بين المؤرّخين والمحدّثين، وقد ذكر ذلك في سياق ردّه على مَن توهّم حصولها لغير عليّ بن أبي طالب، فيقول: (وَهَمَ مصعب ــ أي توهّم ــ فقد تواترت الأخبار: أنّ فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (كرّم الله وجهه) في جوف الكعبة) [المستدرك ج3 ص550]، وهناك الكثير من البحوث التي استطردت في ذكر المصادر التي تثبت حصول هذه الحادثة، لا نرى داعياً لذكرها، وعلى موقع المركز أجوبةٌ سابقةٌ يمكن مراجعتها.

ولفهم السياق التاريخيّ الذي يحيط بحادثة الولادة المباركة لا بدّ من مراعاة عدّة عوامل تاريخيّةٍ ودينيّةٍ وثقافيّةٍ كانت سائدةً في ذلك الوقت، فالسياق يكشف الأبعاد المهمّة التي تخصّ المكان والزمان والشخصيّة التي وُلدت في تلك الظروف، وهنا سنحاول الإشارة لهذا السياق:

1- المكان: كانت الكعبة منذ أن بناها النبيّ إبراهيم وابنه إسماعيل (ع) بيتاً مخصّصاً لعبادة الله تعالى، فقدسيّة المكان متأصّلةٌ من زمنٍ طويلٍ قبل الإسلام، فهي قبلة التوحيد التي تحظى بالاحترام والتقديس، ومع أنّ الجاهليّة قبل الإسلام حوّلت الكعبة إلى مركزٍ لعبادة الأصنام، إلّا أنّ الكعبة ظلّت محتفظةً بمكانتها الروحيّة باعتبارها بيت الله، حتّى وإنْ كان قد طغت عليها رموز الشرك لفترة مؤقّتة.

2- البيئة الثقافيّة والاجتماعيّة: كانت مكّة مركزاً تجاريّاً ودينيّاً في شبه الجزيرة العربيّة، وكانت قبائل قريش تحكم هذه المنطقة وتستفيد اقتصاديّاً من وجود الكعبة رمزاً دينيَّاً، وكان المجتمع قبليّاً تسوده قيم مثل الفخر القبليّ والشرف، وكانت عبادة الأصنام جزءاً من هويّته، وعلى الرغم من هذا الانحراف، ظلّت الكعبة مركزاً يحظى بالتقديس عند العرب، ومكاناً لطلب البركة والحجّ.

3- البيت الهاشميّ: عائلة النبيّ محمّد (ص) كانت من آل هاشم، وهي من أشرف بيوت مكّة، وكانت لها مكانةٌ عظيمةٌ بين القبائل، وكانت معروفةً بالقيم النبيلة مثل الكرم والصدق، والإمام عليّ (ع) وُلد في هذا البيت الشريف، ممّا يعكس استمرار النقاء الروحيّ والأخلاقيّ في هذا النسب، ومن جهة الأم كانت أُمّه فاطمة بنت أسد، وهي من النساء المعروفات بالتقوى والفضل، وكانت من أوائل النساء اللاتي أعلَنّ إسلامهنّ بعد البعثة، ممّا يبرز مدى طهر هذا البيت قبل وبعد الإسلام.

وبفهم خصوصيّة المكان والمجتمع وما يمتاز به البيت الهاشميّ، يمكن الاقتراب من الدلالة الرمزيّة لهذا الحدث، وأهمّ ما يلفت الانتباه: هو أنّ الحدث بذاته كان مفاجئاً واستثنائيّاً وخارجاً عن جميع التوقّعات والاحتمالات، الأمر الذي يؤكّد أنّ حدوثه لم يكن عبثاً، وإنّما كان للدلالة على معانٍ روحيّةٍ عميقةٍ، فالجوف هو القلب أو المركز، ممّا يعني أنّ ولادته كانت في قلب التوحيد حتّى وإنْ كان العالم من حوله مغموراً بالشرك، ويمكن أنْ نرى في ذلك إشارةً رمزيّةً إلى النور الإلهيّ الذي بدأ يتسرّب إلى العالم الجاهليّ استعداداً لبزوغ فجر الإسلام.

فإذا كانت الأصنام تمثّل الظلام الروحيّ والجهل الذي كان سائداً في الجزيرة العربيّة في ذلك الوقت، فإنّ ولادة الإمام عليّ (ع) في هذا المكان المقدّس تمثّل النور الذي سيطرد هذا الظلام، فمن عمق الباطل تلوح الحقيقة، ومن عمق الظلام يبدأ النور بالتوهّج، ومن عمق الظلم تعلو صرخات العدل، وإذا أردنا أن نضع ذلك في نقاط فيمكن أن نقول:

أوّلاً: وُلد الإمام عليّ (ع) داخل الكعبة في يوم الجمعة، الثالث عشر من شهر رجب، وهو حدث لم يتكرّر لأحد غيره، وهذا يشير إلى أنّ ولادته لم تكن مجرّد ولادة طبيعيّة، بل كانت حدثاً ذا دلالةٍ خاصّة، أي: أنّ الله اختار أن يولد الإمام في أقدس مكان على الأرض، حتّى وإنْ كان المجتمع من حوله غارقاً في عبادة الأصنام، فكما أنّ وجود الأصنام في الكعبة لم يقدح في قدسيّتها ولم يقلّل من مكانتها، كذلك ولادة الإمام عليّ (ع) وسط الأصنام لا يقلّل من أهميّة الحدث وعظمته، فوجود الأصنام داخل الكعبة هو الأمر المخالف لطبيعة الكعبة؛ ولذا جاءت ولادة الإمام عليّ (ع) في هذا المكان إشارةً إلى النور الذي سيطرد هذا الظلام، وهو ما حدث بالفعل حيث كان للإمام الدور المحوريّ في محاربة الشرك وإعادة التوحيد.

وثانياً: كانت قريش تحكم مكّة وتستغلّ الكعبة مصدراً للهيمنة الدينيّة والسياسيّة، وكانت الكعبة محوريّة لمصالحهم التجاريّة والدينيّة، وضمن هذه المكانة المحوريّة للكعبة جاءت ولادة الإمام عليّ (ع) في الكعبة وهي تحمل دلالةً تتجاوز المكانة التقليديّة وتتعدّى كلّ الأطر القبليّة، فإرادة الله تعالى وضعت الإمام (ع) في مكانٍ سيكون له دورٌ محوريٌّ في قلب النظام القديم، وستكون ولادة الإمام عليّ (ع) في الكعبة بمثابة تمهيد لمستقبل الدور العظيم الذي سيلعبه إلى جانب النبيّ (ص) في نشر الإسلام وتثبيت دعائمه، فبعد سنوات من ولادة الإمام، كان له دورٌ محوريٌّ في تطهير الكعبة من هذه الأصنام يوم فتح مكّة، حيث أمره النبيّ محمّد (ص) أن يقف على كتفيه ويطهّر الكعبة من الأصنام، ولا يقلّ هذا المشهد رمزيّة عن رمزيّة ولادته في الكعبة.

وفي المحصّلة، السياق التاريخيّ الذي يحيط بواقعة ولادة الإمام عليّ في الكعبة يُظهر أنّ هذا الحدث لم يكن عابراً أو مجرّد مصادفة، بل هو حدثٌ له أبعادٌ روحيّةٌ وسياسيّةٌ واجتماعيّةٌ، فالكعبة كانت رمزاً للتوحيد حتّى في فترة الجاهليّة، وولادة الإمام عليّ فيها دلالةٌ على قدوم عهدٍ جديدٍ من النقاء الروحيّ والانتصار للتوحيد، فكانت ولادته في هذا المكان إيذاناً ببدء تحوّلٍ جديدٍ في تاريخ البشريّة، حيث يبزغ نور التوحيد من وسط الجاهليّة.