لماذا أنا هنا وبالذات في هذه المدينة؟
السؤال: شخصٌ غربيٌّ ملحدٌ، أو لا أدريٌّ، لكنّه مهتمٌّ بالتعرّف إلى الإسلام، وجّه سؤالاً يتمنّى أن يحصل على جوابٍ وافٍ، وهو: لماذا أنا هنا وبالذات في هذه المدينة؟ لماذا وُلدتُ من هذه العائلة؟ ولماذا شكلي وصفاتي وشخصيّتي على ما هي عليه الآن؟
الإجابة:
السؤال الذي تمّ طرحه يتناول قضايا عميقةً في الوجود والهويّة، وهي موضوعاتٌ تتعلّق بعلاقة الإنسان بالكون، والخالق، والغاية من الحياة، ولا يخفى أنّ الكثير من البحوث الإسلاميّة حاولت - وبمقارباتٍ مختلفةٍ - وضع تصوّرٍ معرفيٍّ وثقافيٍّ لمثل هذه الأسئلة، ونحن هنا نحاول تقديم مقاربة مختصرة، لعلّ السائل يجد فيها ما كان يبحث عنه.
في البدء أودّ أن أشير إلى أنّ مجرّد طرح هذه الأسئلة يعكس أنّ السائل - حتّى وإنْ كان لا يؤمن بالله - يعتمد في تفكيره على مسلَّمةٍ عقليّةٍ مهمّةٍ، وهي أنّ وراء الوجود حكمةٌ وقصدٌ، وأنّ الأمور لا تحدث عبثاً، وهذه الفرضيّة هي الأساس الذي يستند عليه العقل البشريّ عندما يبحث عن تفسيراتٍ لمعنى الحياة أو دوره فيها، فلو كان الإنسان يؤمن بأنّ كلّ شيءٍ يحدث بلا سببٍ أو غاية، لَمَا وجد دافعاً لطرح هذه الأسئلة أصلاً، وعليه مجرّد طرحه لهذه الأسئلة يعكس اعترافاً ضمنيّاً بوجود نظامٍ وحِكمةٍ، حتّى لو كان السائل جاهلاً بها.
وبعبارة أخرى: يمكننا القول إنّ السائل إمّا أن يكون مسلِّماً بوجود (ضرورة عقليّة يقينيّة) تحكم بوجود حِكمةٍ وغايةٍ من كلّ شيء في هذا الوجود، وإمّا أن يكون منكراً لذلك وغير معترفٍ بأيّة غايةٍ أو أيَّة حِكمةٍ من هذا الوجود، ففي الحالة الثانية لا يجوز له توجيه مثل هذه الأسئلة طالما كان كلّ شيءٍ في نظره عبثاً في عبث، وفي الحالة الأولى يكون هو مطالباً قبل غيره بتفسير هذه الحِكمة والإجابة بنفسه عن تلك الأسئلة، وبما أنّ الملحد يمارس دور الجاهل بالحِكمة من الحياة، فلا خيار أمامه غير البقاء على جهله أو التمسّك بما جاء به الأنبياء بوصفهم الجهة الوحيدة التي تحدّثت عن الحِكمة والغاية من الوجود، ولا يحقّ له رفض ما جاؤوا به دون أن يكون عنده بديل، وما يفعله الملحدون في العادة هو رفض ما جاء به الأنبياء وتسخيف الدين كفلسفة للحياة، ثمّ يبقون في الجهل والضياع والعدم.
ويكفي في هذا المقام أن نجيب عن هذه الأسئلة وبشكلٍ مختصر:
1ـ لماذا أنا هنا؟
قبل أن نجيب عن هذا السؤال، يجب أن ندرك أنّ الحِكمة في الأمور التفصيليّة قد تغيب عنّا في بعض الأحيان، ولكنّنا نؤمن بأنّ وجودها ليس عبثيّاً بناءً على حِكمةٍ عامّةٍ تحكم الكون بأسره، على سبيل المثال، الأجهزة الإلكترونيّة تتكوّن من مجموعةٍ كبيرةٍ ومعقّدةٍ من الأجهزة الدقيقة، ونحن نستخدم الجهاز للغرض الذي صُنِع من أجله، فإذا سألنا أحدهم عن الحِكمة من وجود قطعةٍ صغيرةٍ داخل هذا الجهاز وكان لا يعرف سبب وجودها، فإنّ عدم معرفته لا يعني أنّ وجودها عبثيٌّ وبدون فائدة، والسبب في ذلك: أنّنا نعرف الحِكمة والغاية الكلّيّة، وهي كافية لتقدّم لنا تفسيراً ضمنيّاً لجميع ما هو موجودٌ داخل هذا الجهاز، وهكذا الحال فيما يتعلّق بالحياة والوجود، ليس بالضرورة أن نتعرّف على جميع ما في الوجود والحياة على نحو التفصيل، وإنّما يكفي معرفة الحِكمة العامّة التي تجعلنا نسلّم بعدم وجود شيءٍ لا غاية ولا حِكمة له.
بالمثل، يقدّم الإسلام تصوّراً معرفيّاً متكاملاً عن فلسفة الوجود والحياة، والله خلق هذا الكون بحِكمةٍ عظيمةٍ، وكلّ جزءٍ فيه له دوره، يقول تعالى:{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص: 27].
أي أنّ كلّ شيء في الكون له غاية، حتّى لو لم ندرك تفاصيلها في لحظة معيّنة، وقد تطرّقنا إلى فلسفة الوجود والحياة والغاية من وجود الإنسان ضمن إجابات مختلفة سابقة منشورة على موقع المركز.
2ـ لماذا في هذه المدينة؟
الوجود في مكانٍ معيّنٍ أو ضمن زمنٍ وتاريخٍ محدّدين هو جزءٌ من الخطّة الإلهيّة التي تتناسب مع مسؤوليّتك في الحياة، والواجب على الإنسان ليس الإجابة على السؤال: لماذا وُجِدت في هذا المكان وفي هذا الزمان؟ وإنّما الواجب هو الإجابة عن السؤال: ما هو دوري؟ وما هي مسؤوليّاتي التي يجب أن أقوم بها في هذا المكان وفي هذا الزمان؟
ففي أيّ مكان وفي أيّ زمان وُجِد الإنسان يبقى هذا السؤال أيضاً، لماذا هذا المكان وهذا الزمان دون غيره؟ وهذا النوع من الأسئلة ليست له بداية وليست له نهاية.
فالله يختبر الناس في أماكن وظروف مختلفة، وقد تكون هذه المدينة جزءاً من اختبارك الشخصيّ أو دورك في تحسين وضعها أو الاستفادة منها.
3ـ لماذا وُلدت في هذه العائلة؟
نفس الفكرة تنطبق هنا، العائلة هي البيئة التي ننشأ فيها، ونواجه فيها تحدّيات وفرصاً فريدة، قد تكون ولادتك في عائلةٍ معيّنةٍ جزءاً من اختبارك، أو جزءاً من دورك في تحسين هذه العائلة، فالحياة لا تدور حول الصدفة، بل كلّ شيء مخطّط بدقّة، يقول تعالى:{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49].
4ـ لماذا صفاتي وشخصيّتي كما هي الآن؟
الصفات الجسديّة والشخصيّة هي جزءٌ من التصميم الإلهيّ الذي يجعل كلّ فرد فريداً، والاختلافات بين الناس ليست عشوائيّة، بل هي جزء من تنوّع الحياة. قال تعالى:{اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [غافر: 64]
هذا يعني أنّ الله خلق الإنسان في أفضل حالاته المناسبة له ليقوم بدوره.
وفي المحصّلة، الحِكمة العامّة في الإسلام تؤكّد أنّ كلّ شيءٍ يحدث بتقديرٍ دقيقٍ وهدفٍ واضح، حتّى لو لم نفهم التفاصيل دائماً، والسائل عندما يسأل عن تفاصيل وجوده، يجب أن يبدأ بالاعتراف بأنّ هناك حِكمةً عامّةً للوجود، وهذه الحِكمة العامّة هي التي تعطيه الثقة بأنّ كلّ شيءٍ في حياته - بما في ذلك مكانه، عائلته، وصفاته - له غايةٌ تستند إلى هذه الحِكمة الأكبر.
اترك تعليق