هل يصح أن نقول: عالم بالله بدل عارف بالله؟
السؤال: يروى عن المعصوم قال: «أوّلُ الدِّينِ معرفةُ الله»، لماذا لم يقل: أوّلُ الدِّينِ العلمُ بالله تعالى؟ ما الفرق بين العلم والمعرفة؟
الإجابة
هناك بحوثٌ لغويّةٌ واصطلاحيّةٌ واسعةٌ في تعريف (العلم) وتعريف (المعرفة)، ولا تخلو هذه التعريفات من اختلافات، والتفصيل فيها قد لا يفيد السائل فيما يبحث عنه؛ ولذا سنكتفي في الإجابة بالوقوف على المعنى القرآنيّ للمعرفة.
المعرفة في المصطلح القرآنيّ تشير إلى العلم بشيءٍ معيّنٍ من خلال علاماتٍ أو سماتٍ دالّةٍ عليه.
بمعنى آخر: هناك رموزٌ مرتبطةٌ بالأشياء تعمل كمعرّفات لها، هذه الرموز قد تكون طبيعيّة، مثل الألوان والأحجام، أو من صُنع الإنسان مثل الأسماء والألقاب، أو قد ترتبط بحالاتٍ نفسيّةٍ كالعلامات التي تظهر عند الغضب أو الفرح أو الخوف؛ لذا يمكن القول إنّ المعرفة ليست معرفةً مباشرةً بالشيء ذاته، بل معرفته عن طريق علامات تدلّ عليه.
بينما العلم هو كشف الواقع وإدراك الشيء بذاته، وقد عرّفوه في الاصطلاح الفلسفيّ بحضور المعلوم لدى العالم، وهذا الحضور إمّا أن يكون بحضور نفس المعلوم لدى العالم وإمّا بحضور صورته، يقول الشيخ السُّبحانيّ:
(أمّا العلم الحضوريّ: فهو عبارة عن كون المعلوم حاضراً لدى النفس من دون توسّط شيء. وهو على هذا يعتمد على ركنين فقط:
1ـ الإنسان المُدرِك – بالكسر –.
2ـ المُدرَك للنفس بلا واسطة.
والعلم الحضوريّ على قسمين:
أوّلهما: ما يكون المُدرِك فيه مغايراً للمُدرَك، كما في العلم بالصور الذهنيّة الحاصلة في النفس من اتّصالها بالخارج عن طريق الحواسّ الظاهريّة.
والقسم الآخر للعلم الحضوريّ أعلى وأنبل من الأوّل، وهو ما يكون فيه المُدرِك والمُدرَك متّحدين خارجاً، ومختلفين اعتباراً ولحاظاً، وهذا كعلم الإنسان بذاته..) [نظريّة المعرفة ص22].
وبعيداً عن التعريفات الاصطلاحيّة يمكننا القول إنّ العلم في آيات القرآن هو النور الذي به تنكشف الحقائق، وعند حصول هذا الكشف تصبح الحقائق بذاتها معلومة، بينما المعرفة إدراك للحقائق لا بذاتها وإنّما بعلاماتها. وبعبارة أُخرى: المعرفة هي نوعٌ من العلم يتحقّق بواسطة علامات دالّة.
وإذا استعرضنا الآيات التي ورد فيها ذكر (المعرفة) لوجدنا هذا المعنى أكثرَ ظهوراً ووضوحاً:
قال تعالى: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْـرَةَ النَّعِيمِ} [المطفّفين: 24]، فهنا تتحدّث الآية عن علامة يعرف بها أهلُ الجنّة يوم القيامة وهي "نضرة النعيم".
قال تعالى: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} [الرحمن: 41]، حيث أكّدت الآية أنّ معرفة المجرمين تتحقّق من خلال سيماهم، أي العلامات التي تميّزهم.
قال تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30]، ذكرت الآية المعرفة مرّتين: الأولى عبر سيماهم، والثانية عبر لحن القول، وهو ما يشير إلى أنّ هذه السيماء أو لحن القول يعملان كعلاماتٍ ومعرّفاتٍ لهم.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59]، وهنا أمرَ الله نبيَّه بأن يأمر زوجاته أن يُدنين عليهن من جلابيبهن حتّى تكون علامة لمعرفتهن {ذَٰلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ}. وهكذا يمكن أن يصنع الإنسان علامة للدلالة على شيءٍ معيّن.
قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ} [الحج: 72]، تُظهِر هذه الآية أنّ المعرفة هنا متعلّقةٌ بوجود علامةٍ في وجوه الكافرين.
قال تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ} [الأعراف: 48]، تمكّن أصحاب الأعراف من معرفة هؤلاء الرجال عن طريق سيماهم، وفي آيةٍ أُخرى تتحدّث عن أصحاب الأعراف أيضاً تؤكّد حصول المعرفة من خلال السيماء، قال تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ...} [الأعراف: 46].
قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} [البقرة: 89]، تشير الآية إلى أنّهم تعرّفوا على الحقّ من خلال علاماتٍ تشبه ما جاءهم من قبل، لكنّهم رفضوه.
قال تعالى: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} [البقرة: 273]، وهنا أيضاً تحقّقت المعرفة عبر السيماء، أي من خلال علامات مميّزة.
وهكذا كلّ الآيات تقريباً تؤكّد على أنّ المعرفة نوعٌ خاصّ من العلم، يتمّ عبر الآيات والعلامات، وهي ليست علماً مباشراً بالشيء، وإنّما العلم به من خلال العلامات الدالّة عليه، وبذلك تتّضح الإجابة على السؤال، فأميرُ المؤمنين (عليه السّلام) قال: «أوّلُ الدِّين معرفتُه» للتأكيد على أنّ الله لا يُعرَف بذاته، وإنّما يُعرَف بالآيات والعلامات التي تدلّ عليه.
اترك تعليق