كيف تكون معرفة الله فطرية ونحن نرى القبائل البدائية وثنية؟
السؤال: إذا كان الإيمان بالله أمراً فطريّاً، ولا يستطيع الإنسان العيش بدونه، فلماذا نرى أنّ بعض القبائل التي تعيش في الغابات ولا تتواصل مع البشر لا تؤمن بالله؟! مع الالتفات إلى كثرة وجود هذه القبائل في العصور الماضية.
الإجابة:
الإيمان بالله تعالى - كما أشار القرآن الكريم والنصوص الدينيّة - أمرٌ فطريٌّ يولد به الإنسان، فكلّ شخصٍ لديه إحساسٌ داخليٌّ يدفعه للبحث عن حقيقةٍ ساميةٍ، وبعبارةٍ أُخرى: إنّ شعور الإنسان بكونه مخلوقاً وبكونه لا يملك لوجوده نفعاً ولا ضرّاً يجعله في حالةٍ من البحث والتطلّع الدائم إلى قوّةٍ متعاليةٍ وفوق الطبيعة، وهذا الشعور الأصيل والإحساس الوجوديّ يُصطلح عليه بـ: الهداية التكوينيّة أو الفطريّة، وهي الهداية التي يشترك فيها جميع البشر بغضِّ النظر عن أماكن عيشهم أو ثقافاتهم، وقد أكّد القرآن وفي كثير من الآيات على هذه الهداية، منها قوله تعالى:
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30].
والسؤال المطروح هنا: لماذا - رغم هذه الفطرة - نجد بعض القبائل التي تعيش في الغابات أو في عزلةٍ عن باقي البشر لا تعبد الله، أو لا يظهر لديها أيّ مفهومٍ واضحٍ عن الإيمان بالله؟
للإجابة عن هذا، يجب التفريق بين نوعين من الهداية:
الأُولى: الهداية التكوينيّة (الفطريّة):
وهي الهداية التي يولد بها الإنسان، وقد عبّرنا عنها بـ: شعور داخليّ بالحاجة إلى قوّة أسمى، أو إحساس بالبحث عن الله، إلّا أنّ هذا الشعور الفطريّ ليس بالضرورة يظهر على شكل عبادةٍ منظّمٍة أو دينٍ محدّد، وإنّما هو مجرّد دافع داخليّ نحو الله أو البحث عن الحقيقة المتعالية، ووظيفة هذه الهداية هو تحقيق القابليّة والاستعداد لقبول الهداية التشريعيّة.
الثانية: الهداية التشريعيّة:
هذه الهداية تأتي عن طريق الرسل والأنبياء، وهي التي تذكّر الإنسان وتنبّهه بواقع تلك الهداية الفطريّة، ومن ثَمَّ ترشده للطريقة الصحيحة للإيمان بالله وكيفيّة عبادته.
وبمعنى آخر: الهداية التشريعيّة توجّه الفطرة نحو الدين الحقّ وتوضح للإنسان كيف يمكنه أن يعبد الله ويتّبع رسله. كما جاء في قوله تعالى:
{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} [الأنعام: 125]، فاتّباع الإسلام يأتي من الهداية التشريعيّة التي جاءت على يد الأنبياء.
فالقبائل التي تعيش في الغابات أو الأماكن النائية معزولةٌ تماماً عن الرسالات والديانات التي أرسلها الله عبر الرسل، وبذلك تكون غير معرَّضة للهداية التشريعيّة، وفي المقابل تكون أكثر عرضة للتأثّر بالبيئة والثقافة المحليّة، وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى:
{وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15]، ممّا يدلّ على أنّ الله تعالى لا يُحاسب الناس على عدم اتّباعهم للدين الحقّ إلّا بعد أن تصلهم الرسالة بوضوح.
وبرغم أنّ الفطرة موجودةٌ في كلّ إنسان، فإنّها قد تتعرّض لِما يُعرَف بـ: حُجب الغفلة والبيئة، فالقبائل التي تعيش في عزلةٍ قد لا تظهر فيها علاماتٌ واضحةٌ للإيمان بالله تعالى، ليس لأنّ الفطرة غير موجودة، بل لأنّ الظروف البيئيّة والثقافيّة التي يعيشون فيها قد تؤثّر بشكلٍ كبيرٍ على طريقة تعبيرهم عن هذه الفطرة، فمثلاً، البيئة الطبيعيّة التي يعيشون فيها قد تجعلهم يعتقدون في قوى طبيعيّةٍ أو آلهةٍ محليّةٍ تتعلّق بالعناصر المحيطة بهم، مثل الشمس أو الأرض أو الحيوانات، وهذه الأشكال من التعبير قد تكون نتيجة للبُعد عن الرسالات السماويّة، لكنّها في جوهرها تعبيرٌ عن ذلك الدافع الفطريّ نحو البحث عن قوى عُليا.
ومن المهمّ أن نُلاحظ أنّ الإنسان لا يعيش في فراغ، والسلوك الإنسانيّ والتعبير عن الفطرة يتأثّران بشكل كبير بالحالة الاجتماعيّة التي يعيش فيها الإنسان، كما جاء في الحديث الشريف:
«ما من مولود إلّا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه» [من لا يحضره الفقيه ج2 ص49]، ممّا يشير إلى أنّ التربية والبيئة الاجتماعيّة تلعب دوراً رئيسياً في تحديد كيف يعبّر الإنسان عن فطرته؛ ولأنّ القبائل المعزولة لم تتعرَّض للتوجيه الدينيّ الصحيح نجدها تعبّر عن تلك الفطرة في صورة معتقداتٍ بدائيّةٍ أو عبادة الطبيعة، وهذه المعتقدات لا تنفي وجود الفطرة، لكنّها تعكس كيفيّة تفاعل الإنسان مع بيئته.
وفي المحصّلة، الفطرة موجودة في كلّ إنسان، سواء كان يعيش في المدن أو في الغابات، لكنّها بحاجة إلى توجيهٍ عبر الهداية التشريعيّة التي تأتي من خلال الرسل والأنبياء، والقبائل المعزولة قد لا تعبد الله بالشكل الذي نعرفه لأنّهم لم يتعرّضوا لهذا التوجيه الدينيّ، ومع ذلك فإنّ لديهم شعوراً داخليّاً بالحاجة إلى قوّة أسمى، حتّى وإنْ عبّروا عن ذلك بطرق مختلفة.
اترك تعليق