هل التشابه الجيني بين الإنسان والشمبانزي يدل على أصلهما المشترك؟

السؤال: نسبة التطابق بين الخريطة الجينيّة للشمبانزي والخريطة الجينيّة للإنسان تصل إلى ٩٨.٨٪، علماء الجينوم في أيَّة بقعةٍ في العالم يؤكّدون هذا، واحتمال أنْ يحدث هذا الشيء مصادفةً (على اعتبار أنَّ الإنسان مخلوقٌ بشكلٍ منفصلٍ لا علاقة له بالتطوّر) هو صفر ٪.، وعلى احتمال أن يحدث هذا الشيء (على اعتبار أن الشمبانزي والإنسان لهما سلفٌ مشترك) هو ٩٩.٩٪. هذا الدليل المعاصر عبارة عن ضربةٍ قاضيةٍ لنظريّة الخلق، لم يحلم داروين نفسه بأن يراه.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الإجابة:

تطرّقنا في أجوبةٍ سابقةٍ لنظريّة التطوّر والأصل المشترك بين الإنسان والقرد، ويمكن مراجعة ذلك تحت عنوان: (هل كان الإنسان البدائيّ قرداً؟)، وغير ذلك من العناوين المشابهة على موقعنا، ونكتفي هنا بمناقشة التشابه الجينيّ بين الإنسان والشمبانزيّ، وللوقوف على ذلك لابدّ من التطرّق لعدّة نقاط توازن بين العلوم والفرضيّات المختلفة:

أوّلاً: التطابق الجينيّ لا يعني التشابه الكلّيّ، فنسبة التطابق الجينيّ بين الإنسان والشمبانزيّ تشير إلى التشابه في التسلسل الجينيّ، وهذا ليس كافياً لإثبات التشابه الكلّيّ أو الأصل المشترك، فحتّى لو وصلت نسبة التشابه إلى ٩٨.٨٪، فإنّ النسبة المتبقّية تحتوي على اختلافاتٍ تؤدّي إلى فروقاتٍ هائلةٍ بينهما في القدرات العقليّة والوظائف الحيويّة، فالتطابق الجينيّ وإنْ كان يشير إلى الشبه الكبير بين الأنواع إلّا أنّه لا يُعدّ دليلاً قطعيّاً على السلف المشترك، وكلّ ما يدلّ عليه هو التقارب البيولوجيّ بين الكائنات.

وثانياً: ليس الإنسان والشمبانزيّ وحدهما يتشاركان في نسبةٍ عاليةٍ من الجينات، فالإنسان يتشارك أيضاً نسبة عالية ًمن الجينات مع الفئران تصل إلى ٩٩٪، الأمر الذي جعل الفأر النموذج المثاليّ لدراسة أمراض الإنسان واختبار الأدوية الجديدة، كلّ ذلك يشير إلى أنّ هناك آليّاتٍ بيولوجيّةً مشتركةً بين الكائنات الحيّة، إلّا أنّ هذه الآليّات لا تعني بالضرورة أنّ كلّ الكائنات تنحدر من سلفٍ مشترك، وإنّما تشير فقط إلى تصميم بيولوجيّ مشترك بين هذه الكائنات.

وثالثاً: الفرضيّات العلميّة ليست حقائق مطلقة، فعلم الجينوم مثل أيّ علمٍ آخر يعتمد على فرضيّاتٍ يمكن اختبارها وتأكيدها أو تعديلها بمرور الزمن، فالقول بأنّ احتمال التطابق الجينيّ العشوائيّ صفر ٪، أو أنّ احتمال السلف المشترك ٩٩.٩٪، هو استخدام غير دقيقٍ للأرقام، فالاحتمالات في العلوم لا تستند إلى مثل هذا اليقين المتعجّل، وإنّما تعتمد على الدراسة المستمرّة للأدلّة القابلة للتفسير بطرقٍ مختلفةٍ ووفقاً لنظريّات مختلفة، فالعلماء يستخدمون الاحتمالات لتقدير مدى قوّة فرضيّةٍ معيّنةٍ دون جعلها يقينيّةً ونهائيّةً، ومع أنّ العلماء يعتمدون في احتمالاتهم على البيانات المتاحة إلّا أنّهم يتركون مساحة لتغيّر هذه البيانات أو دخول بيانات جديدة، ولذا لا يتعاملون مع الاحتمالات كيقينيّات مطلقة كما زعم صاحب السؤال.

فنظريّة التطوّر نفسها ليست ثابتة، وقد تغيّرت وتطوّرت منذ داروين، فهناك الكثير من البيانات الحديثة في علم الجينوم، وهناك تفسيراتٌ أيضاً متعدّدة لهذه البيانات، فإذا كان هناك بعض العلماء فسّر التطابق المشترك بين الجينات بالأصل المشترك للكائنات، هناك علماء آخرون فسّروا هذا التشابه بالخلق أو التصميم الذكيّ، أي أنّ هذه التشابهات قد تكون نتيجة تصميمٍ بيولوجيٍّ مشتركٍ أو نموذجٍ بيولوجيٍّ مشتركٍ تمّ اعتماده في خلق الكائنات الحيّة.

وفي المحصّلة: التقدّم العلميّ يعتمد على القدرة على تعديل الفرضيّات والنظريّات مع ظهور أدلّةٍ جديدةٍ، لذا ليس من الدقّة القول إنّ فرضيّة معيّنة تعتبر حقيقةً نهائيّةً، فكلّ النظريّات العلميّة بما في ذلك نظريّات الجينوم والتطوّر هي مؤقّتةٌ بانتظار المزيد من الأدلّة أو التفسيرات الأحدث.