هل العلماء سبب تخلف الأمة؟
السؤال: ما رأيكم بما يقوله الأستاذ عبد السلام ياسين عند تحليله سبب تخلّف الأمّة: (إنّ مسايرة علماء أهل السنّة والجماعة للسلطان، ومسايرة علماء الشيعة للعامة الذين منهم أرزاقُهم وعليهم اعتمادُهم، يُفسّر سقوط الأمّة في دسيسةٍ تاريخيّةٍ خافيةٍ وباديةٍ، العالم الشيعيّ المرجع له أتباع، وعالم القصر له أطماع، ذاك تسلّط عليه أتباعه، وهذا أردته أطماعه، والحاكم الغاصب والرعاع السائب مناخٌ ملائمٌ للاستخفاف والتحريف والانحراف)؟
الجواب:
أوّلًا: يمثّل هذا المقطع وجهة نظرٍ خاصّةٍ بعبد السلام ياسين، ووجهات النظر لا تُناقش إذا لم تكن مشفوعةً بالشواهد التي تؤكّدها، والمقدار الذي تمّ نقله هنا خالٍ من هذه الشواهد التي تدعم وجهة نظره. والذي يبدو لنا أنّ عبد السلام لا يقصد إدانة جميع علماء الأمّة وتحميلهم جميعًا أسباب التخلّف، وإنّما يقصد بعض النماذج التي لم تخلُ منها مجتمعاتنا الإسلاميّة، وإلّا هو نفسه من علماء الأمّة والمؤسّس والمرشد لأكبر الجماعات الإسلاميّة المغربيّة "جماعة العدل والإحسان".
ولا يُستبعد أن يكون قصده هو التأكيد على الدور المحوريّ للعلماء في هذه الأمّة، والمخاطر التي قد تنتج إذا تخلّوا عن مسؤولياتهم الشرعيّة، وعليه فإنّ المسار العلميّ يقتضي نقاشًا أعمق حول دور العلماء في المجتمعات الإسلاميّة، ومسؤوليّتهم تجاه الأمّة، والعوامل التي أدّت إلى الوضع الراهن.
وثانيًا: من المهمّ أن نضع في الاعتبارِ الدورَ التاريخيّ الذي لعبه العلماء في الحضارة الإسلاميّة، فليس من الإنصاف تجاوز كلّ تلك الجهود والشطب عليها بجُرّة قلم، فعلماء الأمّة الإسلاميّة كانوا وما زالوا الجهة التي تحمل مشاعل العلم والفكر والمعرفة، وإذا تمّ الشطب على هذا التاريخ المشرق من الأمّة، ماذا يتبقّى لها؟
فالتاريخ الإسلاميّ وواقعنا المعاصر مليئان بالتحدّيات والتعقيدات، والعلماء ليسوا في مأمنٍ من هذه الضغوط والتحدّيات، فهم كغيرهم مُبتلون بالعيش في هذه الظروف الاستثنائيّة، وهم يتجرّعون كغيرهم مرارات هذا الواقع، فهل من الإنصاف إهمال عشرات العوامل المتسبّبة في هذا الواقع المتخلّف، ونقل اللوم عليهم وحدهم دون غيرهم؟
ولا نبحث هنا عن الأعذار والتبريرات، وإنّما نبحث عن الموضوعيّة التي تُرجع المسؤوليّة لمجموع الأمّة، فالأمّة بشكلٍ عامٍ تهاونت وتنازلت عن أبسط حقوقها، حتّى العلماء الذين رفعوا رايات الإصلاح وتصدّوا للظلم والطغيان وضحّوا بكلّ ما يملكون، تركتهم الأمّة لوحدهم ولم تنصرهم، فشرّدهم الطاغوت في البلدان، وزجّ بهم في السجون، وقتلهم بالإعدامات أو بالتصفيات والاغتيالات، والأمثلة على ذلك لا تُحصى.
فليس من العدل تعميم الأحكام على جميع العلماء، سواء كانوا من أهل السنّة أو الشيعة، فالتاريخ مليءٌ بنماذج مشرّفةٍ من العلماء الذين ضحّوا بأرواحهم وأموالهم في سبيل الحقّ والعدل.
التخلّف الذي تعاني منه الأمّة ليس نتيجة عاملٍ واحدٍ، بل هو نتيجة تداخل مجموعةٍ من العوامل، بما في ذلك الاستعمار، والتحكّم الأجنبيّ، والصراعات الداخليّة، والانقسامات المذهبيّة، وعليه لا يمكننا إلقاء اللوم كلّه على العلماء.
وثالثًا: فيما يخصّ المرجعيّة الشيعيّة، فإنّ الشواهد كثيرةٌ التي تدلّ على استقلاليّتها وتحرّرها من أيَّة ضغوط، سواء كانت من السلطة السياسيّة أو من عامّة المقلّدين، بل الشواهد تؤكّد التزام العامّة بتوجيهات المراجع حتّى لو كانت على خلاف مصالحهم الشخصيّة.
والشاهد على مدى تأثير المرجعيّة الشيعيّة في نفوس الشيعة، نذكر ما حدث مع ناصر الدين شاه القاجاريّ، وكيف تراجع عن قانون منح امتياز التنباك (التبغ) للإنجليز، وذلك بسبب الضغط الكبير الذي شكّلته فتوى المجدّد الشيرازيّ بتحريم التبغ، (التي عُرفت بثورة التنباك).
وقد وصل تأثير هذه الفتوى إلى داخل أسوار القصر القاجاريّ، حيث قامت زوجة السلطان نفسها بتحطيم كلّ أدوات التدخين في القصر، وكان ردّها حاسمًا، عندما استنكر زوجها هذا الفعل، بقولها: (إنَّ الذي حلّلني عليك حرّم استعمال التنباك اليوم).
الشيء نفسه حصل في ثورة السيّد الخمينيّ على إمبراطوريّة محمّد رضا بهلوي في نهاية السبعينات، عندما اصطدم الشاه بفتاوى العلماء الذين حرّموا إعانة الحاكم الظالم على شعبه، فخرج كلّ الشعب استجابة لدعوة السيّد الخمينيّ، وعرّض نفسه للمخاطر، وقدّم الكثير من الشهداء، بل امتدّ تأثير السيّد الخمينيّ إلى الحرس الإمبراطوريّ الخاص وهم «الخالدون»، فتخلّوا عن حماية النظام والتحقوا بالثوّار.
وشاهدٌ ثالثٌ ما تزال تفاعلاته في الساحة، هو فتوى المرجع الدينيّ الأعلى السيّد علي الحسينيّ السيستانيّ (دام ظلّه) في العراق، بوجوب الجهاد الكفائيّ ضدّ تنظيم داعش الإرهابيّ، بعد أن كاد التنظيم يجتاح العراق كلّه في ظلّ ضعف الحكومة العراقيّة وتآمرٍ دوليٍّ وإقليميٍّ، فهبَّ الشعب العراقيّ بكلّ مكوّناته حتّى عجزت الجهات الرسميّة عن استيعاب الملايين الذين استجابوا لهذه الفتوى، وتكوّن على إثرها مجموعاتٍ عسكريّةٍ ضخمةٍ سُمّيت بـ (الحشد الشعبيّ)، الذي عمل على طرد داعش من المدن العراقيّة وإلحاق هزيمةٍ نكراء به.
فالواقع الشيعيّ كلّه شاهدٌ على مدى العلاقة التي تربط القاعدة بقِمّة الهرم، ولا شيء هناك يُحقّق ذلك الربط سوى الدين والالتزام بالأحكام، ولولا ذلك الحرص على الدين، لما دفع الشيعة أخماس أرباحهم سنويًا للمرجعيّة الدينيّة عن قناعةٍ ورضا تامّ، وبدون أيَّة أجهزةٍ رقابيّةٍ أو قانونيّةٍ، الأمر الذي جعل المؤسّسة الدينيّة مستقلّةً وغنيّةً عن مدّ اليد لطلب العون من أيّ نظامٍ سياسيٍّ موجود.
اترك تعليق