هل إثبات تواتر القرآن يلزمه عدالة جميع الصحابة؟

نص الشبهة: لا يمكنك أنْ تثبت تواتر القرآن؛ لأنه لو أردت إثبات تواتر القرآن فيجب عليك إدخال الصحابة وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون في سند القرآن، لو قلت إنّي آخذ القرآن من علي، فهذا يكون من الآحاد، الآحاد لا يعتبر من القرآن، بعدما أدخلت الصحابة في القرآن لإثبات تواتر القرآن، فمن بابٍ أولى أنْ يكون مقبولين في سند الأحاديث، بل أكثر.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

تقوم هذه الشبهة على عدَّة مغالطاتٍ معرفيَّةٍ ومنهجيَّةٍ ينبغي تفكيكها وبيان بطلانها.

أوَّلاً: معنى التواتر

التواتر في علم الحديث معناه أنْ ينقل الخبر جمعٌ كثيرٌ عن جمعٍٍ كثيرٍ في جميع الطبقات بحيث يُستحيل عادةً تواطؤهم على الكذب، وبالتالي لا يعتمد التواتر على عدالة كلّ فردٍ من الناقلين على حدة، بل على الكثرة المانعة من الشك، فالقيمة في التواتر ليست في "توثيق الأشخاص" وإنما في "العدد واستحالة الكذب"؛ ولذلك نقول: تواتر القرآن لا يعني أنَّ كل فرد من الأمَّة أو من الصحابة موثَّق بالعدالة الفرديَّة، بل إنَّ المجموع نقلوه نقلاً عاماً يستحيل معه الكذب، هذا هو الفرق الجوهري بين التواتر وبين خبر الآحاد.

ثانياً: الفرق بين نقل القرآن ونقل الحديث

القرآن الكريم لم يصلنا بالطريقة نفسها التي وصل بها الحديث، فالأحاديث في الغالب رُويت عن طريق أفراد معيَّنين؛ ولذا يبحث العلماء في أسانيدها فرداً فرداً ويشترطون العدالة والضبط، أمَّا القرآن فانتقل بنقلٍ جماعيٍّ عمَّت به الأمَّة في جميع طبقاتها، منذ عصر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) وإلى اليوم، بحيث لم يكن متوقِّفاً على رواية فلان أو علان، فالقرآن كان يُتلى في الصلوات، ويُكتب في الصحف، ويُحفَظ في الصدور، ويُدرَّس في المساجد، وينقله الرجال والنساء والصغار والكبار من مختلف القبائل، وهذا ليس له علاقةٌ بعدالة الصحابة من قريب أو بعيد، فلو فُرض أنَّ بعض الصحابة غير عدول، فهذا لا يؤثِّر شيئاً في تواتر القرآن؛ لأنَّ الأمَّة جميعاً كانت حافظة وناقلة له، وعليه فإنَّ القرآن لم يثبت بعدالة أبي بكر أو عمر أو عثمان، بل بثبوته في صدور آلاف المسلمين وانتشاره بينهم وانتقاله جيلاً بعد جيل حتى اليوم.

ثالثاً: قضيَّة جمع القرآن عند أهل السُّنَّة

من المثير أنَّ روايات أهل السُّنَّة تذكر أنَّ جمع القرآن بعد وفاة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) كان بشهادة رجلين أو رجلٍ واحدٍ في بعض المواضع، وهذا بحسب قواعدهم يُعتبر من أخبار الآحاد، وليس من التواتر، فكيف يقبلون هذه الروايات في قضيَّةٍ خطيرةٍ مثل جمع القرآن ثم يطالبون غيرهم بأنْ لا يثبت القرآن إلَّا بالصحابة وعدالتهم؟ هذا تناقضٌ واضحٌ، فالشيعة الإماميَّة لا يعتقدون أنَّ القرآن جُمع بهذه الطريقة، وإنما يعتقدون أنَّه جُمع في عهد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وتناقلته الأمَّة بالتواتر إلى يومنا هذا.

ويمكن يُضاف إلى ذلك أنَّ الخلفاء أنفسهم لم يُعرفوا بأنَّهم من حفَّاظ القرآن أو من كبار رواته، بل إنَّ الروايات في كتب أهل السُّنَّة تُصرِّح أنَّ الحفاظ والقراء من الصحابة كانوا غيرهم، وهذا دليلٌ على أنَّ ثبوت القرآن لم يتوقَّف على هؤلاء الخلفاء.

نعم، الخليفة عثمان نُسِب إليه أمر جمع المصاحف وتوحيدها على رسمٍ واحدٍ، لكنه لم يكن "الناقل" للقرآن ولا مصدر ثبوته، بل هو دورٌ تنظيميٌّ إداريٌّ بحسب الادعاء.

وفي الخلاصة، الإشكال مبنيٌّ على مغالطةٍ في فهم التواتر، ومغالطةٍ في مساواة القرآن بالحديث، فالقرآن متواترٌ من الأمَّة جمعاء، ولا يُشترط فيه عدالة كل فردٍ من أفراد الأمَّة في جميع طبقاتها، بل لو كان بين الناقلين فسَّاق أو منافقون، لم يضرَّ ذلك في أصل التواتر.