هل يتعارض المعراج مع قاعدة «الأرض لا تخلو من حجة»؟

السؤال: إنّ ما يُفهمُ من الآيات والروايات أنّ عروج النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان جسديَّاً وروحيَّاً، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو خليفة الأرض فضلاً عن السماء، وأنّ الحجّة لو رفع عن الأرض ولو للحظةٍ لساخت أو ماجت بأهلها كما ورد؛ كيف تفسّرون ذلك؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

وردت أحاديث متواترةٌ تفيد: أنّ الأرض لا تخلو من حجّة، ومن جملتها: ما رواه الشيخان الصفّار والصدوق بإسنادٍ صحيحٍ عن سليمان الجعفريّ قال: «سألتُ أبا الحسن الرضا (عليه السلام)، فقلت: أتخلو الأرض من حجّة [الله]؟ فقال: لو خلت الأرض طرفة عينٍ من حجّةٍ لساخت بأهلها» [بصائر الدرجات ج2 ص871، علل الشرائع ج1 ص153، عيون أخبار الرضا ج1 ص406، كمال الدين ج1 ص301]. ولنا أجوبةٌ سابقةٌ منشورةٌ في هذه الأحاديث، منها ما نشر بعنوان: (لولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها).

إذا عرفتَ هذا، فاعلم أنّه لا مجال لتوهّم خلوّ الأرض من الحجّة الإلهيّة طرفة عينٍ أبداً، والأرض لم تخلُ من الحجّة عند عروج النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله)؛ وذلك لأنّه كان قد استخلف أمير المؤمنين (عليه السلام) على أهل الأرض، كما ورد التنصيص عليه في روايات المعراج، نذكر بعضاً منها:

1ـ روى الشيخ الصدوق بإسنادين صحيحين عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال – في قضيّة المعراج وعِلَلِ الأذان والوضوء والصلاة –: «... قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ثم زادني ربّي (عزَّ وجلَّ) أربعين نوعاً من أنواع النور... ثم عرج بي إلي السماء الثالثة... فاجتمعت الملائكة، وفتحت أبواب السماء وقالت: مرحباً بالأول، ومرحباً بالآخر، ومرحباً بالحاشر، ومرحباً بالناشر، محمّدٌ خاتم النبيّين، وعليٌّ خير الوصيّين. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): سلَّموا علي، وسألوني عن عليٍّ أخي، فقلت: هو في الأرض خليفتي، أو تعرفونه؟ فقالوا: نعم، كيف لا نعرفه وقد نحجّ البيت المعمور في كلّ سنةٍ مرّة، وعليه رقٌّ أبيض فيه اسم محمّد وعليّ والحسن والحسين والأئمّة وشيعتهم إلى يوم القيامة؟ وإنّا لنبارك على رؤوسهم بأيدينا...» [علل الشرائع ج2 ص312].

2ـ روى محمّد بن العبّاس بإسناده إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ليلة أسري بي إلى السماء صرت إلى سدرة المنتهى، فقال لي جبرئيل: تقدّم يا محمد، فدنوت دنوةً - والدنوة: مدّ البصر -، فرأيت نوراً ساطعاً، فخررتُ لله ساجداً، فقال لي: يا محمد، مَن خلّفت في الأرض؟ قلت: يا ربّ، أعدلها وأصدقها وأبرّها وأسنمها، عليّ بن أبي طالب، وصيي ووارثي وخليفتي في أهلي. فقال لي: أقرئه مني السلام، وقل له: إنّ غضبه عزٌّ، ورضاه حكمٌ...» [ينظر: تأويل الآيات ج2 ص624].

3ـ روى النعمانيّ والجوهريّ بإسناديهما إلى عبد الله بن عمر بن الخطّاب، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إن الله عز وجل أوحى إلي ليلة أسرِيَ بي: يا محمد، من خلفت في الأرض في أمتك - وهو أعلم بذلك -؟ قلت: يا ربّ، أخي. قال: يا محمد، عليُّ بن أبي طالب؟ قلت: نعم، يا رب. قال: يا محمد، إنّي اطلعت إلى الأرض اطلاعةً فاخترتك منها، فلا أذكر حتى تذكر معي، فأنا المحمود وأنت محمد، ثم إنّي اطلعت إلى الأرض اطلاعةً أخرى فاخترت منها عليَ بن أبي طالب، فجعلتُه وصيَّك، فأنت سيد الأنبياء، وعلي سيد الأوصياء...» [الغيبة ص94، مقتضب الأثر ص23، وص26].

4ـ روى محمد بن سليمان الكوفيّ بإسناده إلى ابن عبّاس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لما أُسرِيَ بي إلى السماء قيل لي: يا محمد من خلفت في الأرض؟ قلت: سبحانك يا إلهي، أنت أعلم بذلك مني، ثم قيل (لي) الثانية: يا محمد، من خلفت في الأرض؟ قلت: سبحانك، أنت أعلم بذلك مني، ثم قيل لي الثالثة: يا محمد، من خلفت في الأرض؟ قلت: سبحانك يا إلهي، أنت أعلم بذلك مني، خلفت فيها خير أهلها لأهلها، علي بن أبي طالب...» [مناقب أمير المؤمنين ج1 ص219، وج2 ص557].

5ـ روى الصدوق بإسناده إلى سلمان الفارسيّ (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لمّا عرج بي إلى السماء... فلما قضيتُ وطري من مناجاة ربّي نُوديت: إنَّ العزيز يقول لك: مَن خلّفت في الأرض؟ فقلت: خيرها، خلفت فيهم ابن عمّي. فنوديت: يا أحمد، مَن ابن عمك؟ قلت: أنت أعلم، عليُّ بن أبي طالب. فنوديت من الملكوت سبعاً متوالياً: يا أحمد، استوصِ بعليّ بن أبي طالب ابن عمك خيراً...» [ينظر: المحتضر ص261، بحار الأنوار ج18 ص314].

6ـ روى ابن شاذان بإسناده عن الإمام الرضا (ع) عن آبائه (ع) قال: قال رسول الله (ص): «لما أُسرِي بي إلى السماء لقيني أبي نوحٌ (عليه السلام) فقال: يا محمد، من خلفت على أمتك؟ فقلت: علي بن أبي طالب. فقال: نعم الخليفة [خلفت]. ثم لقيني أخي موسى فقال: يا محمد، من خلفت على أمتك؟ فقلت: علياً. فقال: نعم الخليفة خلفت. ثم لقيني [أخي] عيسى (عليه السلام) فقال: يا محمد، من خلفت على أمتك؟ فقلت: علياً (عليه السلام). فقال: نعم الخليفة خلفت. قال: فقلت لجبرئيل (عليه السلام): [يا جبرئيل]، مالي لا أرى [أبي] إبراهيم (عليه السلام)؟ قال: فعدل [بي] إلى حظيرةٍ فإذا فيها شجرةٌ لها ضروعٌ كضروع الغنم، [وإذا ثم أطفال] كلما خرج ضرعٌ من فمٍ واحدٍ ردَّه إليه، فقال: يا محمد، من خلفت على أمتك؟ فقلت: علياً. فقال: نعم الخليفة خلفت، وإنّي – يا محمّد – سألت الله تعالى أن يوليني غذاء أطفال شيعة عليّ، فأنا أغذّيهم إلى يوم القيامة» [مائة منقبة ص173].

إلى غير ذلك من النصوص الواردة بهذا الخصوص.