لماذا شرع الإسلام صلاة الآيات عند الخسوف والكسوف؟
السؤال: لماذا يعتبر علماء الدين ظاهرتي الخسوف والكسوف من الظواهر المخيفة، فيهرعون إلى صلاة الآيات، ويشعرون بأنّهما إنذارٌ بغضب الله، ويشعرون بالذنب، في حين أنّهما ظاهرتان فلكيّتان يحدّد وقتهما علماء الفلك بحساباتهم لسنين قادمة، وهذا يقتضي الاستمتاع بهذه الظاهرة الفلكيّة كالبشر الأسوياء؟
الجواب:
أوّلاً: الإسلام لا يُنكر أنّ الكسوف والخسوف ظاهرتان كونيّتانِ لهما أسبابٌ طبيعيّة، بل القرآن نفسه يؤكّد أنّ كلّ شيءٍ في الكون يجري بحساب:
﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن:٥].
فالتفسير الدينيّ لا ينفي العلم الفلكيّ، وإنّما ينظر إلى هذه الظواهر باعتبارها رسائل تذكيريّة للإنسان؛ لأنّ وراء انتظامها دلالةٌ على قدرة الله، ولأنّها قد تخرج عن المألوف وتُثير في النفس رهبةً وخشيةً، فيربطها الشارع بالعودة إلى الله عبر الصلاة والدعاء.
وعليه، صلاة الآيات ليست استجابةً للجهل بالسبب العلميّ، بل هي استجابةٌ للجانب الروحيّ من الحدث.
ثانياً: كما أنّ الإنسان إذا شاهد زلزالاً أو بركاناً لا يكتفي بالتحليل الجيولوجيّ، بل يعيش حالة خوفٍ ورهبة، كذلك في الكسوف والخسوف. الفرق أنّ الزلازل لا يمكن التنبّؤ بها عادة، في حين أنّ الكسوف والخسوف يمكن التنبّؤ بهما.
لكن الدين لا يتعامل مع عنصر المفاجأة بقدر ما يتعامل مع عنصر "التذكرة" و"الإنذار"، فالظاهرة وإنْ كانت معلومة الموعد، فإنّها تظلّ حادثةً كونيّةً غير اعتياديّةٍ تستحقّ أن يقف الإنسان أمامها بخشوع.
ثالثاً: النبيّ (ص) وأهل البيت (ع) أرادوا أن يربطوا الإنسان بالسماء والآخرة في كلّ ما يراه من تغيّرات في الكون؛ فصلاة الآيات هي تربية على الوعي بأنّ الكون ليس مادّةً صمّاء منفصلةً عن حياتنا، بل هو آيةٌ من آيات الله، ومن هنا كان التعبير القرآنيّ: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفاً﴾ [الإسراء:٥٩]
أي أنّها تذكيرٌ دائمٌ بأنّ لله القدرة المطلقة، وأنّ هذه الحياة ليست للغفلة،
وفي هذا السياق يُروى عن الإمام الرضا (عليه السلام):"وإنّما جُعلت للكسوف صلاة لأنّه من آيات الله تبارك وتعالى، لا يدري الرحمة ظهرت أم لعذاب، فأحبّ النبيّ صلّى الله عليه وآله أن تفزع أُمّته إلى خالقها وراحمها.."[من لا يحضره الفقيه، الصدوق، ج١ ص٥٤١]
فصلاة الآيات تحمل في طيّاتها رسالةً تربويّةً عميقةً، إذ تُذكّر الإنسان بمشهد القيامة وما أخبر به القرآن الكريم من تغيّرات كونيّة عظمى: ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ﴾ [التكوير:١-٢]
فكلّ اختلالٍ يطرأ على النظام الكونيّ المألوف ـ ولو كان كسوفاً أو خسوفاً محدوداً ـ هو تذكيرٌ بذلك اليوم العظيم، وتنبيهٌ للإنسان بأنّ هذه الحياة ليست مضمونة الاستمرار، وأنّ وراء انتظام هذا الكون مصيراً أكبر وحقيقة أعظم ينبغي الاستعداد لها.
رابعاً: ليس صحيحاً أنّ الدين يمنع الإنسان من "الاستمتاع" بجمال الظواهر الفلكيّة،فالقرآن مليء بالدعوة إلى التأمّل في السماء وأجرامها: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق:٦]
لكن الاستمتاع شيءٌ، وإغفال الجانب الروحيّ والمعنويّ شيءٌ آخر.
فالذي يُشاهد الكسوف يمكن أن يجمع بين التأمّل في جماله، والخشوع لله الذي جعل الشمس والقمر خاضعين لنظامٍ دقيق.
وفي المحصّلة، العلماء عندما يقولون: إنّ الكسوف والخسوف "إنذار" فهم لا يقصدون أنّ كلّ كسوفٍ دليلٌ على غضب خاصّ من الله، بل يقصدون أنّه تذكرةٌ عامّةٌ بأنّ هذه الظواهر مهما كانت محسوبةً في علم الفلك، فهي جزءٌ من نظام الله الذي أراد أن يُذكّر به الإنسان؛ لذلك لم ينظر الإسلام إليها باعتبارها تسليةً فلكيّةً باردةً، بل هي رسالةٌ تربويّةٌ تهزّ وجدان الإنسان وتُوقظه من الغفلة.
اترك تعليق