هل الحجاب رمز طبقي أم تشريع إلهي؟

السؤال: الحجاب رمزٌ طبقيّ قديمٌ: يعود الحجاب إلى ما قبل الإسلام، وكان في بداياته يمثل امتيازاً طبقيّاً صارماً. قبل نحو ٣٠٠٠ عامٍ، كانت القوانين الآشورية تمنح حقّ ارتداء الحجاب في الأماكن العامة فقط للنساء من الطبقات العليا، بينما كانت الجواري والبغايا يُمنعن من ارتدائه ويُعاقبن إن تجرأن على ذلك. وتتكرّر هذه السمة الطبقيّة في بدايات الحجاب ضمن السياق الإسلامي؛ إذ "الحجاب" المذكور في القرآن كان موجهاً خصيصاً لزوجات النبيّ، ولم يكن فرضاً عاماً على جميع النساء في البداية.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

من المهمّ التمييز بين «الحجاب» كقيمةٍ أخلاقيّةٍ وتشريعيّةٍ وبين «غطاء الرأس» كعرفٍ اجتماعي. فالإسلام لم يأتِ ليبتكر الملابس من الصفر، بل جاء ليطهّر العادات القائمة من شوائب الانحراف ويعيدها إلى مقاصدها الفطرية. فكما أنّ الأكل والشرب والزواج كانت موجودة قبل الإسلام، إلَّا أنّ الإسلام جعل لها ضوابط أخلاقيّة، كذلك فعل مع لباس المرأة والرجل، فأقرّ المبدأ الطبيعي للستر وألحق به البعد الإيماني والتشريعي والأخلاقي.

أمّا الزعم بأنّ الحجاب "رمز طبقيّ قديم" فهو يقوم على مغالطة فكريّة تُعرف بمغالطة "الأصل التاريخي" التي يُراد بها إبطال القيم الدينيّة عبر إرجاعها إلى أصول اجتماعية قديمة. وهي مغالطةٌ شائعةٌ في الفكر المادي الحديث الذي يسعى إلى تفسير كل القيم على أنّها نتاج ظروفٍ اجتماعيةٍ لا أنَّها وحيٌّ إلهيٌّ. لكن تشابه بعض المظاهر بين الثقافات لا يعني بالضرورة وحدة المصدر، فكما أنّ الصلاة أو الصيام وجدا بصورٍ مختلفةٍ قبل الإسلام، فإن الحجاب قد وجد كفعلٍ فطريٍّ، ثم جاء الإسلام ليمنحه معنىً جديداً يرتبط بالنيّة والطهارة والإيمان، لا بالتمييز الطبقي أو التقاليد البشرية.

فالغاية من الحجاب في الإسلام هي صون كرامة المرأة وطهارة المجتمع، كما قال تعالى:

﴿ذٰلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، أي أن يُعرفن بالعفة فلا يتعرضن للأذى أو الاستغلال.

أمّا الادعاء بأنّ الحجاب في الإسلام كان خاصّاً بزوجات النبيّ (ص) فهو قراءة مبتورة للقرآن الكريم. فالآية التي تقول:

﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]،

تتحدث عن أدب خاص ببيت النبوّة، في حين هناك آية أخرى جاءت لتعمم المبدأ على جميع النساء:

﴿يَا أَيُّهَا النبيّ قُل لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]،

وهي آية واضحة في عمومها وشمولها لكل نساء المؤمنين.

ومن الناحية التاريخية، لم يكن الحجاب في صدر الإسلام علامة طبقيّة أو امتيازاً خاصّاً، بل التزمت به جميع النساء ومن مختلف الطبقات الاجتماعية، وكان حضورهنّ في المسجد أو في ميادين الجهاد أو في الأسواق مشروطاً بالحشمة دون أن يُنظر إلى الحجاب على أنّه رمز امتياز.

وفي المحصّلة، يتضح أنّ الحجاب في الإسلام ليس امتداداً لعاداتٍ قديمةٍ أو انعكاساً لرموزٍ طبقيةٍ، بل هو تشريعٌ إلهيٌّ يعبّر عن رؤيةٍ متكاملةٍ للكرامة الإنسانية، يقوم على تكريم المرأة وصيانتها لا حجبها، وعلى تهذيب الغريزة لا قمعها، وعلى تنظيم العلاقة بين الجنسين بما يصون الاحترام المتبادل ويُعلي من قيمة الإنسان لا من مظهره.

إنّ محاولة تفسير الحجاب في إطار التاريخ الطبقي أو الأعراف الاجتماعية ليست سوى قراءة ماديّة سطحية تُغفل عمقه الروحي ومرجعيته التشريعيّة، وتتعامل مع الدين كنتاجٍ بشريٍّ لا كرسالةٍ سماويّةٍ تهدف إلى الارتقاء بالإنسان.