مَن الأفضل: المسيح (عليه السلام) أم النبيّ محمد (صلى الله عليه وآله)؟
السؤال: بعد أنْ يعترف القرآن بالميلاد المعجز للسيّد المسيح، ويعترف بأنّه يخلُق، وأنّه كلمةُ الله ـ أي أزليٌّ أبديٌّ ـ، ويعترف الحديث بأنّه سيكون الحَكمَ القِسْط، يعود ليحاول أنْ يُقنع المسلمين بأنّ محمداً أفضلُ منه.
الجواب:
ممّا لا شكَّ فيه أنَّ القرآن الكريم رفع مقامَ عيسى بن مريم (عليه السلام) وأكّد علوّ منزلته، فنصّ على طهارة مولده، وكرامة أمّه مريم، وأثبت له معجزاتٍ باهرةً كإحياء الموتى وشفاء الأكمه والأبرص، وخلقِه من الطين كهيئة الطير بإذن الله. كما وصفه بأنّه (كلمةُ الله) و(روحٌ منه). وهذه كلُّها فضائل عظيمة لا يُنكرها مسلم، بل هي ممّا يؤمن به كلُّ مَن يُصدّق بالقرآن.
وللمركز جوابٌ سابق منشور بعنوان: (هل تنفي آية: {وروحٌ منه} بشرية عيسى؟) يُستحسن مراجعته.
والذي يبدو أنَّ السائل ينطلق من خلفيّةٍ مسيحيّة، فهِمَتْ كلَّ هذه المعجزات على أنّها دليلٌ على ألوهيّته، بينما المسلم يرى في عيسى (عليه السلام) عبدًا أكرمه الله، وأجرى المعاجزَ على يديه بسبب جحود بني إسرائيل واستكبارهم، فمقامُ عيسى هو مقامُ النبوّة والرسالة.
والمسلم لا يُفرِّق بين أحدٍ من رسله، كما قال تعالى:
{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].
فالمبدأ العام هو الإيمان بجميع الرسل، ويبقى الفرقُ بينهم خاضعًا للرسالة التي يحملونها، والمقارنة من هذا الباب لا تكون من زاوية الانتقاص، وإنّما من زاوية الأدوار التي يقوم بها كلُّ رسول، ولذا نجد أنَّ القرآن أشاد بأُولي العزم من الرسل، في قوله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35].
فالمسلم الذي ينطلق من هذه الخلفية الإيمانيّة يدرك أنَّ محمّدًا (صلى الله عليه وآله) هو خاتمُ الأنبياء وأفضلهم، دون حاجة إلى مقارناتٍ إضافية.
إذاً، اعترافُ الإسلام بكرامةِ المسيح ومعجزاته لا يعني تأليهه، ولا مساواته بالله تعالى، بل يضعه في مقامه الحق: رسولٌ كريمٌ مؤيَّدٌ بالآيات. وفي مقام الرسالة، دلَّت النصوصُ بوضوحٍ على أنَّ محمّدًا سيّدُ المرسلين وخاتمُ النبيّين، قال تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40].
وقال أيضاً: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ} [سبأ: 28]، بخلافِ عيسى الذي خُصّ برسالةٍ إلى بني إسرائيل، كما قال تعالى: {وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [آل عمران: 49].
بل جاء: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]،
فإنّه (صلى الله عليه وآله) رحمةٌ لجميع العالمين، من النبات والحيوان والجنّ والملائكة وغيرها من العوالم.
وفي الرواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «قال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله): ما خلقَ الله عزَّ وجلَّ خلقًا أفضلَ منِّي، ولا أكرمَ عليه منِّي. قال عليّ (عليه السلام): فقلتُ: يا رسولَ الله، فأنت أفضلُ أو جبرئيل؟ فقال (عليه السلام): يا عليّ، إنَّ الله تبارك وتعالى فضَّل أنبياءه المرسَلين على ملائكته المقرَّبين، وفضَّلني على جميع النبيِّين والمرسلين، والفضلُ بعدي لك يا عليّ، وللأئمّةِ من بعدك» [علل الشرائع ج1 ص5، عيون أخبار الرضا ج1 ص237، كمال الدين ص254].
ثمّ إنَّ عيسى (عليه السلام) حين ينزل في آخر الزمان، فإنّه لا يجيءُ بشريعةٍ جديدة، ولا ينسخُ شريعة محمّد، بل يكون تابعاً لخليفةِ رسول الله المهديّ (عجّل الله فرجه)، ويُصلّي خلفه.
فعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال:
«القائمُ منصورٌ بالرعب، مؤيَّدٌ بالنصر، تُطوى له الأرض، وتظهر له الكنوز، ويبلغ سلطانه المشرقَ والمغرب، ويظهر الله عزَّ وجلَّ به دينه ولو كره المشركون، فلا يبقى في الأرض خرابٌ إلا عُمِر، ويَنزل روحُ الله عيسى بن مريم (عليه السلام) فيُصلِّي خلفه» [كمال الدين ص331].
وفي المحصّلة: الإسلام لا يُنكر مكانةَ المسيح (عليه السلام)، بل يُجلُّه ويُثني عليه كما لم يفعل أيُّ كتابٍ آخر، لكنّه يُقرِّر بوضوح أنَّ النبيّ محمدًا (صلى الله عليه وآله) هو سيِّد الأنبياء والمرسلين،
وأنَّ رسالته خاتمةُ الرسالات، وأنّه المرجعُ الذي تجتمع عنده كلُّ الرسالات السابقة،وعيسى (عليه السلام) نفسُه سيكون شاهداً على ذلك يوم يعود في آخر الزمان.
اترك تعليق