هل المرأة في الإسلام أقل شأنا من الرجل؟

السؤال: كثيرٌ من الروايات تذمّ المرأة، خصوصاً في بحار الأنوار، فما صحّة هذه الروايات، وما ذنبُنا خُلقنا إناثاً، وكثيرٌ من الروايات تقول بقلّة العقل والمنطق لدى الإناث وغلبةِ العاطفة عليها لكي تُربّي أطفالها، وهو من جهة الشرع ليس واجباً عليها تربية أطفالها، إذن كيف غلبة العاطفة عليها؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

كثيراً ما يُثار السؤال عن بعض الروايات التي يظهر منها ذمٌّ للمرأة أو الحطّ من شأنها. وللإجابة الموضوعيّة على هذا السؤال لا بدّ من وضع الأمور في نصابها الصحيح.

فأول ما يجب التأكيد عليه أنَّ الميزان الأعلى في الدين هو القرآن الكريم والمحكمات من السنّة وسيرة المعصومين، وقد صرّح القرآن بوضوح بأن معيار الكرامة عند الله هو التقوى وليس الجنس، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]. وقال: {أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ} [آل عمران: 195]، وقال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71]. وغير ذلك من النصوص الكثيرة التي تؤكّد بأن القاعدة المحكمة التي تُفهم في ضوئها الروايات المتشابهة هي الكرامة الإنسانيّة الواحدة للمرأة والرجل على حدٍّ سواء.

فعندما نرجع إلى البناء القرآني للإنسان، نجدُه يؤكّد أن الله خلق الإنسان ـ رجلاً وامرأةً ـ في أحسن تقويم، قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4]، وهذا دلالةٌ على العناية الإلهيّة بالتكوين الجسديّ والروحيّ للإنسان بما هو إنسان. ثمّ بيّن القرآن مكانته وفضله فقال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]، والآية نصٌّ صريحٌ في أن التكريم شاملٌ لكلّ البشر من دون تمييزٍ بين ذكرٍ وأنثى، وكلّ ذلك يتناقض مع المتشابهات التي تنعت المرأة بالنقص أو الضعف العقلي.

فالقرآن يعرض مفهوماً شاملاً للإنسان، يراه كائناً واحداً يتجاوز حدود الجنس والعرق واللون والعقيدة، فالإسلام من خلال القرآن لا ينطلق من ثنائيّة التفاضل بين الرجل والمرأة، بل من قيمٍ كبرى تحكم وجود الإنسان كلّه: التوحيد، العدل، العقل، الرحمة، الكرامة، والاختلاف الإيجابي. وهذه القيم حين تتجسّد في الأسرة ـ النواة الأولى للمجتمع ـ تنعكس على المحيط الاجتماعي كلّه.

وإذا رجعنا للروايات - التي أُشير لها في السؤال - نجدها في الأغلب لا تأتي بأسانيد متينة، بل كثيرٌ منها مُرسلٌ أو في أسانيدها ضعف.

وحتى لو تجاوزنا البحث السنديَّ، فلا يصحّ أن تُؤخذ هذه النصوص على إطلاقها وكأنّها قاعدةٌ دينيّةٌ عامّةٌ، بل يجب أن تُقرأ في سياقها وأن تُعرض على المحكمات القرآنيّة، وهنا تبرز عدّة نقاط توضّح كيفيّة فهم هذه النصوص:

أولاً: من الأساليب المعروفة في الخطاب العربيّ، ولا سيّما في القرآن والحديث، أن تُذكر قضيّةٌ خاصّةٌ بعبارةٍ عامّةٍ؛ وذلك لتقوية المعنى وإبراز أثره النفسي في المخاطب. فالنصّ قد يستعمل صيغة التعميم، ومع ذلك لا يقصد كلّ الأفراد، بل الحالة المعيّنة التي وقعت بالفعل.

مثالٌ على ذلك قوله تعالى على لسان عزيز مصر: {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف: 28]، فالخطاب هنا موجّهٌ إلى امرأةٍ واحدةٍ هي زوجته، ومع ذلك استُعملت صيغة الجمع "كُنّ" لإبراز المعنى وإيقاعه بقوّة، فالواضح أنَّ المقصود لم يكن أنَّ جميع النساء يتصفن بالكيد العظيم، وإنّما هذه المرأة قد فعلت فعلاً يدلّ على قوّة كيدها، فجاء التعبير بلسان العموم من باب المبالغة في التحذير والتأثير.

فإذا فهمنا هذا الأسلوب، سَهُل علينا أن نقرأ بعض الروايات التي ظاهرها التعميم على النساء، مثل: شاوروا النساء وخالفوهنَّ، أو النساء ناقصات العقل، على أنّها صدرت في سياقاتٍ خاصّةٍ أو حوادث معيّنة، لكن جرى التعبير عنها بلغة التعميم لمجرّد التأثير الوعظي، لا لإصدار حكمٍ شاملٍ على كلّ النساء في كلّ زمانٍ ومكان.

وثانياً: وبناءً على النقطة الأولى نجد أنَّ بعض الكلمات المنسوبة إلى الإمام عليّ (ع) جاءت بعد معركة الجمل، وكان يُخاطب الناس في ظلّ أزمةٍ قادتها امرأةٌ بعينها. ومن الطبيعي أن تأتي بعض التعابير بشكلٍ سلبيٍّ في مقام معالجة حدثٍ سياسيٍّ خطير، وبذلك لا يمكن فهم هذه النصوص بوصفها قاعدةً عامّةً أو حكماً أبديّاً على جنس النساء، وإنّما خطابٌ ظرفيٌّ لمعالجة فتنةٍ محدّدة.

وثالثاً: إذا رجعنا إلى بعض تلك النصوص نجد أنّها بيّنت العلّة وشرحت السبب، فمثلاً: النساء نواقص الإيمان، ونواقص العقول، ونواقص الحظوظ، قد بيّن الإمام نفسه معاني هذه الكلمات بقوله: فأمّا نقصان إيمانهنّ فقعودهنّ عن الصلاة والصيام في أيّام حيضهنّ، وأمّا نقصان عقولهنّ فشهادة امرأتين منهنّ كشهادة الرجل واحد، وأمّا نقصان حظوظهنّ فمواريثهنّ على الإنصاف من مواريث الرجال، وكلّ ذلك أمور تعبّديّة أمر الله بها، وليست في مقام الذم، ولا علاقة لها بالقيمة الإنسانيّة.

ورابعاً: كثيرٌ من هذه الروايات يمكن توجيهها وفهمها بما يجعلها منسجمةً مع محكمات الكتاب والسنّة ولا تُحمَل على الظاهر الذي يكرّس التمييز أو الانتقاص، ومن ذلك الرواية التي جاء فيها: «عِظوهنّ بالمعروف قبل أن يأمرنكم بالمنكر، وتعوّذوا بالله من شرارهنّ، وكونوا من خيارهنّ على حذر» [مكارم الأخلاق ص231]. فليس المراد ذمّ جنس المرأة مطلقاً، وإنّما هو خطابٌ تربويٌّ يحمّل الرجل مسؤوليّته في القيام بواجب النصح والإرشاد قبل أن تتّسع دائرة الخطأ، وهو أيضاً تحذيرٌ من الصفات السلبيّة التي قد تظهر عند بعض النساء كما قد تظهر عند بعض الرجال، بدليل أن النصّ نفسه ميّز بين الشرار والخيار ونفى التعميم.

أما قوله: «وكونوا من خيارهنّ على حذر»، فلا يُراد به التشكيك في صلاحهنّ أو اتّهامهنّ، وإنّما هو تنبيهٌ إلى أن قوّة العاطفة قد تدفع حتّى المرأة الخيّرة أحياناً إلى اقتراح ما يُخالف الحكمة أو المصلحة، ومن هنا جاء التأكيد على اليقظة والوعي، بحيث يزن المؤمن الأمور بميزان الشرع والعقل، دون أن يُذعن كليّاً لأيّ أحدٍ مهما كان قريباً أو محبّاً، فالمقياس دائماً هو الحقّ، لا مجرّد العاطفة أو حسن النيّة، وقد يكون في هذا التعبير أيضاً تنبيه لعاطفة الرجل، إذ إنّ محبّته الشديدة لزوجته أو أمّه أو أخته قد تدفعه أحياناً إلى مسايرتهنّ من غير حذرٍ ولا تدقيق، حتّى وإن كنّ صالحاتٍ في أنفسهنّ، فجاء التحذير ليذكّر المؤمن أنَّ العاطفة مهما كانت صادقةً لا يجوز أن تكون بديلاً عن المعيار الشرعيّ والعقليّ في اتخاذ المواقف والقرارات.

وخامساً: بعض الروايات الواردة في ذمّ النساء يمكن فهمها على أنّها من قبيل الأمثال التي تُقال في مقام التحذير والتشديد، لا بمعنى أنّها قاعدةٌ كليّةٌ تُحمَل على كلّ النساء. فقولهم: «شاورهنّ وخالفوهنّ، فإنّ خلافهنّ بركة» [بحار الأنوار ج100 ص262]، يُشبه المثل الشعبي الذي يضخّم المعنى ليؤدّي غرض التنبيه، لا أنّه يقرّر قاعدةً عقليّةً أو شرعيّةً مطلقة.

فالأمثال في الثقافة العربيّة كثيراً ما تُبنى على المبالغة والعموم، لكن الذهن يفهم منها مواضع التطبيق وحدودها، تماماً كما نفهم من قول القائل: أهل الدنيا لا وفاء لهم، أنّه تحذير، لا قاعدة تنفي الوفاء عن الجميع.

ولو كان المراد من تلك الروايات هو الحكم الشامل على كلّ النساء، لما خالفته السيرة النبويّة العمليّة، فقد ثبت أن النبيّ (ص) استشار أمّ سلمة في صلح الحديبيّة وأخذ برأيها، حين لم يمتثل الصحابة لأمره بالذبح والحلق، فأشارت عليه أن يبدأ بنفسه ليقتدي به الناس، ففعل ذلك وتبعه الصحابة جميعاً [ينظر: مسند أحمد ج31 ص220].

هذا الموقف يكذّب الفهم السطحيَّ لتلك الروايات ويؤكّد أنَّ القاعدة ليست أن تُخالف المرأة دائماً، وإنّما أن يُتّبع الرأي الحكيم سواء صدر من رجلٍ أو امرأة.

وعليه، فإذا كانت المرأة صاحبة رأيٍ قويمٍ وعزمٍ راسخ، فلا معنى لحرمانها من المشاورة أو من تحمّل المسؤوليات الكبرى، بل الشواهد التاريخيّة تثبت عكس ذلك، كما فعل الإمام الحسين (عليه السلام) عندما حمّل أخته العقيلة زينب (عليها السلام) مسؤوليّة متابعة نهضته بعد استشهاده، فكانت خير من قام بهذا الدور، وأثبتت برباطة جأشها وشجاعتها أنّها بطلة كربلاء التي كشفت أهداف الثورة وأحبطت مؤامرات الطغاة.

وسادساً: إنّ القول بأنّ المرأة يغلب عليها جانب العاطفة ليس ذمّاً لها ولا انتقاصاً من عقلها، بل هو توصيف لفطرةٍ أودعها الله تعالى فيها لتكون أقرب إلى دورها الطبيعي في الحنان والاحتضان ورعاية الأسرة.

وهذا لا يعني أنّها تفتقد التفكير أو التعقّل، وإنّما المقصود أن ميزان العاطفة عندها – في المتوسّط – أرجح منه عند الرجل، كما أنَّ ميزان القوّة البدنيّة عند الرجل – في المتوسّط – أرجح منه عند المرأة. وهذه الفوارق التكوينيّة لا تمثّل تفاضلاً بين الجنسين بقدر ما تعكس توزيعاً إلهيّاً للأدوار وتكاملاً في الوظائف.

فالأب والأم يشتركان معاً في تربية الأبناء، غير أن حضور العاطفة والرحمة لدى الأم يجعلها أقدر على أداء بعض الجوانب من هذه المهمّة. ومن الخطأ أن يُقال إنّ تربية الأولاد ليست من مسؤوليّة النساء، بل هي مسؤوليّةٌ مشتركةٌ بين الأبوين، تؤدّي فيها المرأة دورها بما خصّها الله به من عاطفةٍ ورقّةٍ، ويؤدّي فيها الرجل دوره بما خصّه الله به من قوّةٍ ورعايةٍ وتدبير.

وسابعاً: عند النظر إلى مجموع النصوص الواردة في شأن المرأة، يتبيّن بوضوح أن بينها تنوّعاً ظاهريّاً، فهناك رواياتٌ تذمّ شرار النساء وتُحذّر من بعض صفاتهنّ، وفي المقابل رواياتٌ تمدح خِيَار النساء وتعدّ الزوجة الصالحة من أعظم النعم، بل وتثني غاية الثناء على الأمّ حتى جعلت الجنّة تحت قدميها.

هذا التعارض الظاهريُّ يكشف أنَّ النصوص التي ظاهرها الذمّ ليست قاعدةً عامّةً مطلقة، وإنّما هي قضايا خاصّةٌ أو تعابير بلاغيّةٌ أو أحكام محمولةٌ على سياقاتٍ معيّنةٍ. ومن هنا نفهم بجلاء دلالة الرواية التي تقول: «رُبّ امرأةٍ خيرٌ من رجلٍ» [تهذيب الأحكام ج5 ص413]، فهي تأكيدٌ أن معيار التفاضل في منطق الإسلام هو الأعمال الصالحة والتقوى، لا مجرّد الجنس أو الانتماء البيولوجيّ.

وأخيراً، بالنسبة للسؤال: (ما ذنبُنا أن خُلقنا إناثاً؟)، فالجواب: أنّه لا ذنب أصلاً، بل الذكورة والأنوثة تكليفٌ وابتلاء، ولكلٍّ منهما دوره ووظيفته. والله عزّ وجلّ فتح باب القرب إليه على السواء، فقال:

{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97].

فالأصل أن المرأة والرجل سواءٌ في التكليف والثواب، والاختلاف بينهما اختلاف تكاملٍ، لا تفاضل.