لماذا لم يؤلف الأئمة كتبا؟
السؤال: الإمام لم يؤلّف كتابًا للشيعة حتى يدارسوه في زمن كان الأئمّة الكبار يؤلّفون كتبًا في مختلف الموضوعات العلميّة من الفقه واللُّغة وغيرهما. إذن أين علم الأئمّة حتى يثبتوا إمامتهم للناس؟! لماذا الشيعة عيالٌ على أهل السنّة؟
الجواب:
الزعم بأنّ الشيعة "عيالٌ على أهل السنّة" في تراثهم وعلمهم ادّعاءٌ باطلٌ؛ لأنّ الشيعة لم يستقوا معارفهم من غيرهم، بل أسّسوا مدرسةً مستقلةً امتدّت جذورها إلى أهل البيت (عليهم السلام) مباشرة. والحق أنّ كثيرًا من المدارس السنيّة هي التي رجعت في أصولها العلميّة إلى الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام)، حتى إنّ كبار أئمّتهم كأبي حنيفة ومالك والشافعي كانوا على صلةٍ مباشرةٍ بأئمّة أهل البيت أو بتلامذتهم. وقد أثبت السيّد حسن الصدر في كتابه "الشيعة وفنون الإسلام"، والشيخ جعفر سبحاني في كتابه "دور الشيعة في تأسيس الحضارة الإسلاميّة" بالأدلّة التاريخيّة أنّ الشيعة كانوا السبّاقين إلى تأسيس العلوم الإسلاميّة في مختلف حقولها. ومن يطّلع على هذين الكتابين يدرك أنّ هذه الدعوى لا تعدو كونها قلبًا للحقائق التاريخيّة.
والذي غفل عنه المدّعي هو أنّ الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) لم تكن وظيفتهم أن يثبتوا إمامتهم بمصنّفات تحمل أسماءهم كما يفعل المؤلّفون في المجالات العلميّة المحدودة؛ لأنّ الإمام ليس مؤلّفًا بالمعنى المدرسيّ الضيّق، بل هو المرجع الكلّي الذي يبيّن معالم الدين، ويضع القواعد العامّة التي يسترشد بها العلماء في الفهم والاستنباط. فوظيفته هي البيان الشامل للهداية، وتبليغ ما تحتاجه الأمّة في العقيدة والشريعة والأخلاق، مع تربية العلماء والخواص ليحملوا علومه وينشروها، نظير النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فإنّ وظيفته كانت البيان والهداية والتربية وغير ذلك، ولم تكن وظيفته إثبات نبوّته بتصنيف كتابٍ، كما لم تكن وظيفته تدوين الأحكام التي جاء بها في كتاب، فلو صحّ الاستشكال بمثل هذا على الأئمّة فهو استشكال على الأنبياء أيضًا. أمّا الفقيه أو اللُّغويّ فقد يختار أن يصنّف كتابًا في بابٍ معيّنٍ؛ لأنّ نطاق عمله وعلمه محصورٌ في ذلك المجال. ومن هنا فإنّ قياس الإمام على هؤلاء مغالطةٌ في فهم الدور، إذ إنّ مقامه أوسع من مجرد التأليف الجزئيّ، بل هو الأصل الذي تفرّعت عنه جميع المصنّفات.
ومضافًا إلى ما سبق، فإنّ الظروف الأمنيّة التي عاشها الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) والرِّقابة المشدّدة على كلّ حركاتهم، مع محاولات السلطة المستمرّة لمحو ذكرهم وتشويه سمعتهم، شكّلت سببًا آخر في الاعتماد على إملاء العلوم على أصحابهم وتربيتهم على حفظها ونشرها، وقد قام تلاميذهم بالفعل بتدوين عشرات الكتب في مختلف مجالات المعرفة الإسلاميّة، حتى صار تراثهم أساسًا للمدرسة الإماميّة. ومن أراد التثبّت من ذلك فليراجع كتب التراجم والرجال التي أحصت أسماء هؤلاء التلاميذ ومصنّفاتهم.
ومن هنا تبلور التراث الشيعيّ في صورته الكبرى، حيث جُمعت تلك المصنّفات والروايات فيما بعد في الكتب الأربعة الأساسيّة (الكافي، التهذيب، الاستبصار، من لا يحضره الفقيه) وغيرها من المصادر، وهذا التراث زاخرٌ بعلوم الأئمّة في التفسير والفقه والعقيدة والآداب والأخلاق، الأمر الذي يكشف بوضوحٍ أنّ الأئمّة هم المصدر الذي يعتمد عليه العلماء في تصنيفاتهم ومؤلّفاتهم، فهم الينبوع الأوّل للعلوم والمعارف، ولولاهم لما تمكّن العلماء من تدوين هذا التراث ولا من صياغة علوم الإسلام بهذا العمق والثراء.
وفي المحصّلة، فإنّ وظيفة الإمام لا تشبه وظيفة الفقيه أو اللغويّ الذي يضع كتابًا في بابٍ محدّدٍ من أبواب العلم، بل هو المرجع الكلّي الذي يبيّن معالم الدين، ويضع القواعد العامّة، ويرشد الأمّة إلى طريق الهداية، ومن علومه تنبثق جهود العلماء الذين يأتون من بعده ليصنّفوا ويؤلّفوا فيما أفاض به الأئمّة من معارف؛ ومن هنا فإنّ قياس الإمام على الفقهاء أو اللغويّين قياسٌ باطلٌ؛ لأنّ الإمام هو الحجَّة الشاملة والوارث الكامل للعلوم الإسلاميّة، حاله في ذلك حال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يؤلّف الكتب ولا يصنّف التصنيفات.
اترك تعليق