لماذا برزت خطب الإمام عليّ (عليه السلام) بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله)؟
السؤال: لماذا معظم خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) وكلماته البليغة جاءت بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)؟
الجواب: إذا افترضنا أنَّ هذا السؤال ينطوي على إشكالٍ مقصودٍ وليس مجرَّد استيضاح، فلا بدَّ من التأكيد أوَّلاً على أنَّه مبنيٌّ على تصوّرٍ غير دقيقٍ لطبيعة دور الإمام عليّ (عليه السلام) في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وللسياق التاريخيّ الذي استدعى تغيّراً في طبيعة الحاجة إلى خطبه وكلماته.
ولتوضيح ذلك، يمكن عرض جملة من الملاحظات الأساسيَّة:
أوَّلاً: إنَّ الدور الذي قام به الإمام عليّ (عليه السلام) في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله) يختلف عن الدور الذي تولّاه بعد وفاته، ففي حياة الرسول، كان المنبر الأعلى للهداية والبيان هو منبر النبيّ نفسه، وأمّا عليّ (عليه السلام) فقد كان وزيره وعضده، يقود الجيوش، يقضي بين الناس، يكتب للرسول، ويعلّم الخواص.
ومن مقتضيات الأدب مع النبوَّة أن لا ينازع أحدٌ النبيَّ في موقع البيان العام. ولذلك قلّت الحاجة إلى خطب علنيّة مطوّلة لعليّ (عليه السلام) آنذاك، لا لأنَّه لم يكن يملك البلاغة، بل لأنَّ مقام البلاغ العلنيّ كان مختصّاً بالرسول (صلى الله عليه وآله).
ثانياً: إنَّ طبيعة الخُطب ترتبط بالوقائع والأحداث الكبرى، كالفِتن والحروب، وإدارة الدولة، وتقويم الانحرافات.
وهذه كلّها لم تبرز إلّا بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فمنذ السقيفة وما تلاها، ثم خلال فترة خلافته (عليه السلام) بما حفلت به من معارك الجمل وصفّين والنهروان، وما استلزمته من إدارةٍ للأمصار، ومواجهةٍ للانحرافات السياسيَّة والماليَّة، برزت الحاجة إلى خطابٍ علنيٍّ جامعٍ يخاطب الأمّة ويقودها، عندها ظهرت الخُطب والكُتب والعُهود التي وصلت إلينا.
أمّا في حياة الرسول، فقد كان النبيّ (صلى الله عليه وآله) هو الذي يتولّى مثل هذه المناسبات الكبرى، ممّا جعل الحاجة إلى خُطب عليّ (عليه السلام) محدودة.
ثالثاً: الذي وصلنا اليوم ليس كلَّ ما قاله الإمام (عليه السلام)، بل ما حفظه الرواة ودَوّنوه، وخُطب ما بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله) حظيت بجهودٍ أوسع في الكتابة والحفظ، لأنّها ارتبطت بإدارة الدولة ومخاطبة الأمصار، بينما بقيت أقوال الإمام في زمن النبيّ متفرّقة: أجوبة، تعليمات، أحكام، حِكَم، محفوظة في كتب الحديث والفقه؛ ولهذا بدت للمتلقّي المعاصر أقلّ حضوراً، مع أنَّها في الواقع كثيرة، ولكنّها لم تُصنَّف على هيئة "خُطب".
رابعاً: البلاغة لم تظهر فجأة بعد وفاة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، بل كانت ملكة راسخة عند الإمام (عليه السلام) منذ شبابه، وقد شهد له النبيّ (صلى الله عليه وآله) نفسه بأنَّه: "أعلمكم عليّ، أقضاكم عليّ، أحكمكم عليّ، أعدلكم عليّ".
لكنّ هذه الملكة تتجلّى حيث تقتضيها الحاجة، فبعد وفاة الرسول، تصدّى عليّ (عليه السلام) لتقويم الأمّة بالفكر والسياسة والعدل، وواجه قضايا كبرى في العقيدة والاجتماع والإدارة، فاستدعت المرحلة خُطباً ورسائل مطوّلة في التوحيد والقدر والعدل والجهاد والزهد، فبرزت عندها أبهى صور بيانه.
إذاً، لم تتأخّر البلاغة نفسها، وإنّما تأخّرت الظروف التي استدعت تجلّيها الكامل على المنابر.
وفي المحصّلة: إنَّ الشبهة تنشأ من خلطٍ بين طبيعة دور عليّ (عليه السلام) في حياة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وبين ما اقتضته الظروف بعد وفاته (صلى الله عليه وآله)، ففي حياة الرسول، كان الإمام (عليه السلام) يؤدّي دور الوزير تحت راية البلاغ النبويّ، وبعد رحيله أصبح (عليه السلام) المرجع الفكريّ والسياسيّ للأمّة، فاقتضت المرحلة خُطباً ورسائل مطوّلة، فتأخير الخُطب الطويلة ليس دليلاً على تأخّر مقامه العلميّ والبيانيّ، بل شاهد على تمام الحكمة: لكلِّ مقامٍ مقال، ولكلِّ مرحلةٍ خطابٌ يناسبها.
اترك تعليق