كيف واجه الأئمة (عليهم السلام) ظاهرة التزوير في رواياتهم؟
السؤال: جاء في كتاب [المؤامرة الكبرى على مدرسة أهل البيت ص10]: (إنَّ كثيراً من الرواة كان يدخل على الإمام الصادق (عليه السلام) ويسمع الحديث منه ثم يخرج ويحدّث بخلاف ذلك من المعجزات وخوارق العادات أو الأمور الخرافيَّة وهو ينسبها إلى الإمام، فلما يسمعها الآخرون يكذّبها فريقٌ، ويصدّقها فريقٌ آخر، وينحرف عن المذهب فريق ثالث. إنَّ النتيجة التي استفادها الأعداء من هذه الهجمة والحرب الفكريَّة والإعلاميَّة على مدرسة أهل البيت هو خلط الأوراق واختلاف الأخبار والتعارض بينها فأوجبت الإرباك لكثير من الأتباع). هل كان الأئمة (عليهم السلام) يعلمون ما يجري خلف ظهورهم إنْ جاز التعبير؟ وكيف يثقون بمن لا يثق فيه من المزورين كما هو واضح بالنص أعلاه؟
الجواب:
إنَّ ما أشار إليه الشيخ حسين الراضي في عبارته صحيحٌ في تشخيص الظاهرة التاريخيَّة، غير أنَّه لا يعني أنَّ الأئمة (عليهم السلام) غفلوا عنها أو لم يكونوا على علمٍ بها، بل إن طبيعة المرحلة التي ازدحمت بالرواة والمدّعين، وما رافقها من انفتاحٍ فكريٍّ واسع هي التي أوجدت حالةً من الالتباس استغلّها الأعداء لتشويه مدرسة أهل البيت.
ومع ذلك، فقد بادر الأئمة (عليهم السلام) إلى وضع الأصول العامَّة في التعامل مع الأخبار، فحثّوا على الأخذ من الثقات المعروفين من أصحابهم، وأمروا خواصّهم بتدوين الحديث وحفظه، وأوصوا بعرض الأخبار على القرآن الكريم والعقل السليم، ليبقى خطّهم الأصيل نقيّاً مصوناً رغم موجات الدسّ والتحريف التي تعاقبت عبر الزمن.
لقد عاش الأئمة (عليهم السلام) عموماً في ظروفٍ أمنيةٍ بالغة القسوة، وكانت الأمة الإسلاميَّة تمرّ بتحولاتٍ فكريَّةٍ وسياسيَّةٍ عميقة مع أفول الدولة الأموية وصعود الدولة العباسيَّة، في زمنٍ غلبت عليه الاضطرابات الفكريَّة وتكاثر الاتجاهات والمذاهب. وقد كان الأئمة في تلك الحقبة يمثلون المرجعية الفكريَّة والعلميَّة الكبرى لجميع المسلمين، فكان يفد إليهم آلاف الطلاب والرواة من مشارب مختلفة: من الشيعة والمعتزلة والزيدية والمرجئة والواقفة وغيرهم. وكان فيهم المخلص الصادق في طلب العلم، كما كان فيهم المنحرف المتأثر بالبيئة الثقافية العامة، بل والمتعمد الذي دسّه الحكّام أو الخصوم لتشويه أحاديثهم أو مراقبة نشاطهم، ومن ثَمَّ كان من الطبيعي – بحكم الانفتاح العلمي الواسع الذي انتهجه الأئمة (عليهم السلام) – أنْ يتسلل إلى مجالسهم بعض الكاذبين أو المتوهمين أو أصحاب الأغراض الخاصة.
ومع ذلك فقد واجه أئمّة أهل بيت الهدى (عليهم السلام) ظاهرة الكذب، ووضعوا لمعالجتها الضوابط الشرعية التي ألزمتنا بأخذ الروايات من الثقات، فرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تنبّأ بظهور الدسّ والوضع في الحديث، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) محذّراً:
"فمن كذب عليَّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار" (أصول الكافي، ج1، ص50).
ووصف الإمام الصادق (عليه السلام) طبيعة المصاعب التي تعتري نقل الحديث فقال (عليه السلام):
"إنا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس. كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصدق الناس لهجة وأصدق البرية كلها، وكان مسيلمة يكذب عليه" (رجال الكشي، رقم 174).
ولذا اهتم الأئمة بضرورة الإسناد، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:
"إذا حدّثتم بحديث فأسندوه إلى الذي حدّثكم، فإن كان حقّاً فلكم، وإن كان كذباً فعليه" (أصول الكافي، ج1، ص42).
وقد بيّن الإمام الكاظم (عليه السلام) من يكذّب عليهم، فقال:
"ما أحد اجترأ أن يتعمد الكذب علينا إلاّ أذاقه الله حرّ الحديد، وإنّ (بياناً) كذب على (علي بن الحسين) (عليه السلام)، فأذاقه الله حرّ الحديد، وإنّ (المغيرة بن سعيد) كذب على (أبي جعفر) (عليه السلام)، فأذاقه الله حرّ الحديد، وإنّ (أبا الخطّاب) كذب على أبي جعفر الصادق (عليه السلام) فأذاقه الله حرّ الحديد، وإنّ (محمّد بن بشير) لعنه الله يكذب عليّ، برئت إلى الله منه..." (رجال الكشي، رقم 909).
وينقل محمّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن، أن بعض الأصحاب قال له:
"يا أبا محمّد، ما أشدّك في الحديث وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا، فما الذي يحملك على ردّ الأحاديث؟!"
فقال يونس:
"حدّثني هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنّة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدّمة. فإنّ (المغيرة بن سعيد) لعنه الله دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى وسنّة نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّا إذا حدّثنا قلنا: قال الله عزّ وجلّ، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
قال يونس: وافيت العراق، فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام)، ووجدت أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) متوافرين، فسمعت منهم، وأخذت كتبهم، فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون أحاديث أبي عبد الله (عليه السلام)، وقال لي: إنّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبد الله (عليه السلام)، لعن الله أبا الخطاب، وكذلك أصحاب أبي الخطّاب يدسّون الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام)، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فإنّا إن تحدّثنا حدّثنا بموافقة القرآن، وموافقة السنّة، إنّا عن الله وعن رسوله نحدّث، ولا نقول: قال فلان وفلان فيتناقض كلامنا. إنّ كلام آخرنا مثل كلام أوّلنا، وكلام أوّلنا مصادق لكلام آخرنا. فإذا أتاكم من يحدّثكم بخلاف ذلك فردّوه عليه، وقولوا: أنت أعلم وما جئت به، فإنّ مع كلّ قول منّا حقيقة وعليه نوراً، فما لا حقيقة معه ولا نور عليه فذلك من قول الشيطان" (رجال الكشي، رقم 401).
ومن هنا أصبح علم الرجال من العلوم الشرعيَّة المهمّة لارتباطه الوثيق بالأخبار والروايات عن المعصومين (عليهم السلام). وإلى ذلك أشار العلاّمة الحلّي (ت 726 هـ) بقوله:
"العلم بحال الرواة من أساس الأحكام الشرعيَّة، وعليه تُبنى القواعد السمعية، يجب على كلّ مجتهد معرفته وعلمه، ولا يسوغ له تركه وجهله، إذ أكثر الأحكام تستفاد من الأخبار النبوية، والروايات عن الأئمّة المهدية عليهم أفضل الصلاة وأكرم التحيات، فلا بدّ من معرفة الطريق إليهم، حيث روى مشايخنا رحمهم الله عن الثقة وغيره، ومن يُعمل بروايته، ومن لا يجوز الاعتماد على نقله" (الرعاية في علم الدراية، الشهيد الثاني، ص176).
وفي المحصّلة، كان الأئمة (عليهم السلام) يعلمون بوجود من يزوّر عليهم، وكانوا يحذرون منه ويضعون الضوابط لتمييز الصحيح من الباطل، لكنهم لم يكونوا مكلّفين بإلغاء حرية الناس أو فرض الرقابة الإعجازية على الجميع، لأن الابتلاء بالتمييز بين الحق والباطل جزءٌ من الحكمة الإلهية في استمرار الامتحان الإلهي.
وهكذا، فإن تلك الضوابط التي وضعها الأئمة (عليهم السلام) لحماية الحديث الشريف، أصبحت أساساً لتكوين منهجٍ علمي متكامل في التمحيص والنقد، ومن هنا نشأت علوم الرجال والحديث التي حفظت تراث أهل البيت رغم كل حملات التزوير والدسّ والتحريف.
اترك تعليق