هل خلافة الله على الأرض محصورة في نبي الله آدم وداود (ع)؟
السؤال: هناك سؤالٌ متعلقٌ بقوله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} في سورة ص، ومن قبلها في سورة البقرة قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}. بعض علماء السنَّة - كالماورديّ والنوويّ وغيرهما - باستنادهم إلى هاتين الآيتين ذهبوا إلى أنه لا يُسمّى غير هذين النبيين خليفة الله، فهل ما ذهبوا إليه صحيح؟ وإلا فكيف نردّ عليهم ذلك؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل الإجابة بشكلٍ مباشرٍ، لا بدَّ من الوقوف على المعنى الذي قصده كلّ من الماوردي والنوويّ ضمن السياق الذي جاء فيه كلامهما. فهل كانا بصدد وضع قاعدة كلية مفادها: ليس هناك خليفة لله على الأرض إلَّا آدم وداود؟ وهل كانا من الأساس في مقام مناقشة مسألة جواز هذه التسمية في حقّ الأنبياء والمرسلين، أم كانا في مقامٍ آخر، وهو جواز هذه التسمية على الحكام والأمراء الذين تسموا بها زوراً وبهتاناً؟
إذا رجعنا للكلام الذي ذكره النوويّ في كتاب [الأذكار من كلام سيد الأبرار ص456] نجده يقول:
(ينبغي أنْ لا يقال للقائم بأمر المسلمين: خليفة الله، بل يُقال: الخليفة، وخليفة رسول الله (ص)، وأمير المؤمنين. روينا في "شرح السنة" للإمام أبي محمد البغويّ (رض) قال: لا بأس أن يُسمّى القائم بأمر المسلمين: أمير المؤمنين، والخليفة، وإنْ كان مخالفاً لسيرة أئمة العدل؛ لقيامه بأمر المؤمنين وسمع المؤمنين له. قال: ويسمّى خليفة لأنه خلف الماضي قبله، وقام مقامه. قال: ولا يُسمّى أحدٌ خليفة الله تعالى بعد آدم وداود عليهما الصلاة والسلام. قال الله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، وقال تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} [ص: 26]... وذكر الإمام أقضى القضاة أبو الحسن الماورديّ البصريّ الفقيه الشافعيّ في كتابه "الأحكام السلطانية": أنّ الإمام سمّي خليفة لأنه خلف رسول الله (ص) في أمته، قال: فيجوز أن يُقال الخليفة - على الإطلاق -، ويجوز: خليفة رسول الله. قال: واختلفوا في جواز قولنا: خليفة الله، فجوّزه بعضهم؛ لقيامه بحقوقه في خلقه، ولقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ} [فاطر: 39]، وامتنع جمهور العلماء من ذلك، ونسبوا قائله إلى الفجور، هذا كلام الماوردي)، انتهى.
أقول: يتضح من خلال السياق أنَّ الكلام كان في مقام عدم جواز هذه التسمية في مَن يتولّى أمور المسلمين من حكام وأمراء، وليس السياق وحده، وإنما عباراتهم صريحة في ذلك، حيث قال: (ينبغي أنْ لا يقال للقائم بأمر المسلمين: خليفة الله). وبالتالي، ليس في كلامهما أيّ إشارة من بعيدٍ أو قريبٍ إلى جواز ذلك أو عدم جوازه في حقّ الأنبياء والمرسلين، فالمسألة مسكوتٌ عنها في كلامهم. وعليه، لا يجوز تعميم الحكم بدون قرينة تدلّ على قصد التعميم.
بمعنى آخر، يمكننا القول إنّ كلامهما كان في مقام الاحتجاج على مَن أجاز هذه التسمية في حقّ الحكام والأمراء، ولا يخفى أهمية هذا الحكم في معالجة ظاهرةٍ كان لها حضورٌ واضحٌ في المجتمع الإسلامي، وهي أنّ الخلفاء والحكام الذين حكموا الأمة الإسلامية - بما فيهم طغاة بني أمية وبني العباس - كانوا يتعاملون مع الناس على أساس أنهم خلفاء الله الذين يحكمون بتفويض منه.
والذي يبدو لنا: أنَّ الذين منعوا هذه التسمية إلَّا في حقّ آدم وداود (عليهما السلام) يقصدون خصوص التسمية، ولا ينفون خلافة غيرهم للأرض، فحتى ابن تيمية الذي تشدّد في ذلك لم ينفِ خلافة غير آدم، حيث قال:
قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}، وقال الله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}. وقوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} يعمُّ آدم وبنيه، لكن الاسم متناول لآدم عيناً، كقوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} وقوله: {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} وقوله: {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ}، {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} إلى أمثال ذلك) [مجموع الفتاوى ج35 ص42]. وبذلك يكون قد صرح بأنّ خلافة الله تشمل آدم وبنيه إلّا أنّ الاسم متناول لآدم عيناً.
ونحن هنا لا نريد أن نوسع البحث ليشمل معنى الخلافة في القرآن الكريم، فإنّ ذلك وإنْ كان مفيداً، إلَّا أَّنه قد يبعدنا عن الإشكال الذي يبحث عنه السائل، وهو: هل خلافة الله في الأرض – بغض النظر عن معنى الخلافة – محصورة في آدم وداود (عليهما السلام) أم لا؟
وقبل الإجابة، لا بدّ أن نشير إلى أننا لا نقصد مطلق خلافة الإنسان في الأرض، فهذا ثابتٌ ولا ينكره مسلم، وإنما نقصد خصوص الخلافة التي يكون صاحبها ممثلاً لله تعالى وقائماً بأمره ومنفذاً لإرادته. ومن المؤكد أن هذا المقام لا يكون إلا بالاصطفاء والاجتباء الإلهي، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 33-34]، وقال تعالى: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58].
من الواضح أنَّ هذا المقام يشمل جميع المصطفين، سواء كانوا أنبياء أو رسل أو أئمة، قال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا..} [الأنبياء: 73]، وعليه لا يمكن حصر هذا المقام في (آدم وداود) بحجة أنَّ الله ربط أسمائهم بكلمة (خليفة) دون غيرهم، وذلك لكونه مقاماً عاماً يدخل فيه جميع الأنبياء والرسل والأئمة الذين اصطفاهم الله على خلقه وأمر الجميع باتباعهم.
والذي يدلُّ على أنّ خلافة الله ليست محصورةً في آدم ونوح هو قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ..} [النور: 55]، فالآية تؤكد على استمرارية خلافة الله في الأرض، فكما استخلف الله آدم وداود من قبل سيستخلف من بعدهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
وعليه، يصح لنا القول إنّ نبي الله سليمان كان خليفة الله بعد أبيه داود، وهذا ما يؤكده قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 16]، فالآية نص صريح على وراثة سليمان لأبيه داود في كل شيء بما فيها خلافته على الأرض.
وعليه، فإن الضابط في معرفة خليفة الله تعالى هو النص والتعيين الإلهي، والذي يبدو لنا أن هذا ما قصده الماوردي والنوويّ، واستدلالهم بخلافة آدم وداود من باب النص الصريح في تحديد الأسماء، ولا نظن أنهما ينفيان خلافة سليمان للأرض أو خلافة بقية الأنبياء والمرسلين.
والذي عليه: قيام إجماع الشيعة والأدلة والبراهين الكثيرة على أن خلفاء الله بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هم الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، وأولهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، روى الشيخ المفيد والشيخ الطوسي بسند صحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا كان يوم القيامة نودي: أين خليفة الله في أرضه؟ فيقوم داود، فيُقال: لسنا أردناك وإن كنت خليفة الله في أرضه، فيقوم أمير المؤمنين (عليه السلام) فيأتي النداء: يا معشر الخلائق، هذا علي بن أبي طالب، خليفة الله في أرضه، وحجته على عباده، فمن تعلق بحبله في دار الدنيا فليتعلق بحبله في هذا اليوم ليستضيء بنوره وليتبعه إلى الدرجات العلى من الجنان» [الأمالي للمفيد ص285، الأمالي للطوسي ص63، ص99].
اترك تعليق