هل يكره الإكثار من زيارة قبر النبي (ص)؟

السؤال: قال بعض العامَّة بكراهية الإكثار من زيارة قبر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) بعد كلِّ صلاة أو بشكل يومي، والاكتفاء بالصلاة عليه؛ لأنَّ الصلاة تبلغه من أيّ مكان، وقد استدلّوا على ذلك بقوله (صلَّى الله عليه وآله): «اللَّهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد»، إذْ سُئل مالك عن الغريب يأتي قبر النبيّ كلَّ يوم، فقال: ما هذا من الأمر، وذكر حديث: «اللَّهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد»، قال ابن رشد: فيُكره أنْ يكثر المرور به والسلام عليه، وبأنَّ الصحابة لم تكن سيرتهم على الإكثار من الزيارة، ومعلوم أنَّ اتباع الصحابة للسنَّة أقوى من اتباعنا نحن لها. وبحديث: «لا تجعلوا قبري عيداً». فهل ـ بالفعل ـ يُكره الإكثار من زيارة قبر النبيّ؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

في البداية، لابأس أنْ يُعلم بأنَّ أصل زيارة قبر النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) جائزة ومشروعة عند كلِّ المسلمين، وإنّما الكلام في حكم الإكثار منها، حيث شكَّك فيه بعض المحسوبين على الإسلام، لأسباب محددة، ودواعٍ معروفة.

إذا بان هذا، فيقع الكلام في مقامين اثنين:

المقام الأوَّل: مشروعية الإكثار من الزيارة.

لا يخفى أنَّ زيارة قبر النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) نوعٌ من أنواع التعظيم له، وعليه فإكثار الزيارة إكثارٌ من التعظيم المرغوب فيه. مضافاً إلى ذلك، إطلاق الروايات الدالّة على فضل زيارته (صلَّى الله عليه وآله) حيث لم تُقيَّد بعدم الإكثار حتى يصح القول بعدم جواز الإكثار منها، من ذلك:

1ـ ما رواه الدولابيّ بسنده عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): «من زار قبري وجبت له شفاعتي» [الكُنى والأسماء ج2 ص846، نوادر الأصول للحكيم الترمذي ج2 ص67]، وغيرهما.

2ـ وما رواه الفاكهيّ بالإسناد عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): «من حجَّ فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي» [أخبار مكة ج1 ص436، المعجم الكبير للطبرانيّ ج12 ص406، سنن الدارقطني ج3 ص333]، وغيرها.

3ـ وما رواه الدارقطني بالإسناد عن نافع، عن ابن عمر، قال رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): «من زارني إلى المدينة كنت له شفيعاً، أو شهيداً» [علل الدارقطني ج13 ص58]، وفي نقل البيهقي: «من زارني إلى المدينة محتسباً كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة» [السنن الصغير ج2 ص211].

4ـ وما رواه الدينوريّ بالإسناد عن مولى حاطب بن أبي بلتعة، عن حاطب، قال: قال النبيّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): «من زارني بعد موتي، فكأنما زارني في حياتي، ومن مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة من الآمنين» [المجالسة وجواهر العلم ج1 ص441، سنن الدارقطني ج3 ص334، شعب الإيمان للبيهقيّ ج3 ص488].

5ـ وما رواه السمهوديّ بالإسناد عن نافع عن سالم عن ابن عمر، قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): «من جاءني زائراً لا تحمله حاجة إلَّا زيارتي كان حقّاً عليَّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة» [وفاء الوفاء ج4 ص170]. وللمزيد من الروايات الواردة في هذا الشأن راجع كتاب (وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى) للسمهوديّ.

هذا، وقد حُكي الإجماع على ذلك من دون التقييد بعدم الإكثار، فقال القاضي عياض: «فصل في حكم زيارة قبره (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) وفضيلة من زاره وسلَّم عليه، وكيف يسلِّم ويدعو. وزيارة قبره (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) سنة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغوب فيها» [الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج2 ص83]. وقال الملا علي القاري في شرحه لكتاب الشفا: «ويروى مجتمع (عليها) أي: مجتمع على كونها سنة، وممن ادعى الإجماع النووي وابن الهمام، بل قيل إنها واجبة» [شرح الشفا ج2 ص149 للقاريّ].

والمتحصّل: أنَّ الإكثار من زيارة قبر (صلَّى الله عليه وآله) أمرٌ جائزٌ في حدِّ نفسه ـ بل راجحٌ ـ؛ لكونه نوعاً من أنواع التعظيم، ولإطلاق الروايات وعدم تقييدها بعد الإكثار كما صار واضحاً.

المقام الثاني: في أدلّة المنع من الإكثار.

والظاهر من ألفاظ السؤال أنَّ الاستدلال على ذلك بحديث «اللَّهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد»، وكذلك «لا تجعلوا قبري عيداً»، وسيرة الصحابة على عدم الإكثار، ولبيان الحال فيها نتكلّم في ثلاثة أمور:

الأمر الأوّل: قوله: «اللَّهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد».

فقد روي ـ بحسب الاستقراء الناقص ـ من ثلاث طرق، أوّلها من طريق عطاء بن يسار [موطأ مالك ج1 ص223]، وثانيها من طريق أبي هريرة [مسند أحمد ج7 ص173، مسند البزار ج16 ص48]، وثالثها من طريق أبي سعيد الخدري [كشف الأستار عن زوائد البزار ج1 ص220].

والمتحصّل من كلّ هذه الطرق هو أنَّ الطريقين الأوّل والثالث ضعيفان بشكلٍ واضحٍ وصريح، وأمّا الطريق الثاني فمختلف فيه.

وأما الكلام في دلالته، فيقال:

1ـ لو سلّمنا صحة الحديث وقبلنا به، فمن أين فهم المستدل أنه ينهى عن كثرة الزيارة، والحال أنَّه لا تصريح فيه إلَّا بالدعاء بأنْ لا يجعل الله قبره (صلَّى الله عليه وآله) وثناً يُعبد، وأنَّ غضب الله تعالى قد اشتدّ على قومٍ جعلوا قبور أنبيائهم مساجد، فأين النهي في الحديث عن كثرة الزيارة؟

قال القنازعيُّ: «قول النبيّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): «اللًّهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد بعدي» يعني: لا تجعله صنماً يصلّى إليه» [تفسير الموطأ ج1 ص213]. وقال ابن عبد البر: «وليس فيه حكم أكثر من التحذير أنَّ يصلّى إلى قبره وأن يُتخذ مسجداً، وفي ذلك أمرٌ بأنْ لا يُعبد إلَّا الله وحده، وإذا صنع من ذلك في قبره فسائر آثاره أحرى بذلك» [الاستذكار ج2 ص360].

2ـ ثمّ إنّ الحديث يصرّح بأنَّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) كان قد دعا الله تعالى بأنْ لا يجعل قبره وثناً يُعبد؛ ولذلك فلا يتحقق هذا الأمر بعد دعاء النبيّ المستجاب، إلّا أن يُدَّعى بأنه غير مستجاب الدعوة!

3ـ إنَّ المسلمين بمختلف ألوانهم لا يجعلون قبر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) وثناً يُعبد من دون الله تعالى، ولو شذّ بعض الأفراد فلا يعني منع الجميع من زيارته أو الحكم بكراهة تكرار الزيارة، بل ينبغي تنبيه الغافل وإرشاد الجاهل وليس المنع من الزيارة أو تكرارها، فإنّ ذلك من القول بلا دليل.

الأمر الثاني: قوله: «لا تجعلوا قبري عيداً».

فقد ذكرنا في جوابٍ مستقلٍ بعنوان (معنى قوله: لا تجعلوا قبري عيداً، وهل يُستند إليه في المنع من الزيارة؟) أنَّ الحديث مجملٌّ من ناحية الدلالة، ولذلك فلا يصحّ الاستدلال به، لعدم إحراز المراد الجدي منه، فراجع.

الأمر الثالث: سيرة الصحابة.

ويلاحظ عليها أنها ليست حُجةً في حدّ نفسها حتى يصح الرجوع إليها؛ وذلك لعدم عصمتهم وإمكانية وقوعهم في الخطأ. مضافاً إلى ذلك، عدم وجود ما يشهد على جريان سيرتهم على المنع من الإكثار وإلّا لذكروه وروّجوا له. بل جواز الزيارة والإكثار منها عند المسلمين ـ عدا شرذمة منهم ـ شاهدٌ على بطلان قولهم، كما لا يخفى.

والنتيجة النهائيَّة:

أنَّ الحكم بكراهة تكرار زيارة قبر النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) غير تام ولا يُمكن القبول به، بل الأدلة ـ كما تقدّم ـ دالّة على جواز الزيارة وتكرارها، كما صار واضحاً.. والحمد لله ربّ العالمين.