هل الملائكة تتشاجر؟

السؤال: الشيخ المفيد في الاختصاص عن عبد الله بن مسعود قال: «أتيت فاطمة صلوات الله عليها فقلت لها: أين بعلك؟ فقالت: عرج به جبرائيل إلى السماء، فقلت: فيمَ ذا؟ فقالت: إنَّ نفراً من الملائكة تشاجروا في شيءٍ فسألوا حكماً من الآدميين فأوحى الله إليهم أن تخيروا فاختاروا عليّ بن أبي طالب»، هل الملائكة تتشاجر؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

إذا سلّمنا بصحة الرواية – مع أنّها منقولةٌ في كتاب الاختصاص المنسوب إلى الشيخ المفيد، ومع أنّ رواتها ليسوا من الشيعة، بل هم من مشاهير رواة العامّة -، وركّزنا على مضمون الرواية وما أثارته من تساؤلٍ عن عبارة تشاجر الملائكة، فإنَّ أول ما ينبغي توضيحه أنَّ التشاجر بالمعنى الدارج بين البشر، القائم على الخصومة والهوى والغضب، يستحيل وقوعه بين الملائكة؛ لأنَّهم مجردون عن الأهواء والشهوات.

ولكن إذا أمكن فهم التشاجر بمعنى لا يرتبط بالمصلحة أو الشهوة أو الانفعال، فلا مانع حينها من نسبته إليهم؛ لأن القرآن الكريم دلّ على أن للملائكة قابلية السؤال والتفكير والحوار، كما في قوله تعالى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: 30]، فليس في هذا القول اعتراض أو معصية، بل تعبير عن رغبةٍ في الفهم وإدراك الحكمة الإلهية في الخلق.

وعلى هذا الأساس، يمكن تصور نوعٍٍ من الاختلاف بين الملائكة يدور على إدراك الحكمة، ولا سيّما مع تفاوت مراتبهم في العلم والدرجات، فيكون معنى "تشاجرهم" اختلافاً في تقدير أمرٍ من الأمور، أو في فهم مسألةٍ من مسائل التدبير، لا على وجه الخصومة المذمومة، وإنما على سبيل التباحث في مراتب العلم. وهذا المعنى لا يتنافى مع عصمتهم وطهارتهم، بل ينسجم مع طبيعة الملائكة بوصفهم عباداً مكرمين يتفاوتون في الفهم والقرب من الله.

وقد وردت في مصادر المسلمين أحاديث كثيرة تؤكد إمكان هذا النوع من الاختلاف أو "الاختصام" بين الملائكة من غير معصية:

من ذلك: ما رواه البخاريُّ ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ (ص) قال: «كان في بني إسرائيل رجلٌ قتل تسعةً وتسعين إنساناً، ثم خرج يسأل، فأتى راهباً، فسأله، فقال له: هل من توبة؟ قال: لا، فقتله، فجعل يسأل، فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت، فناء بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه أنْ تقرّبي، وأوحى إلى هذه أنْ تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجد إلى هذه أقرب بشبر، فغفر له» [صحيح البخاري ج4 ص149، صحيح مسلم ج8 ص103، مسند أحمد ج3 ص20].

فصريح الحديث أنَّ الملائكة «اختصمت» في شأن هذا الرجل، أي تباينت أنظارهم في تصنيفه: أهو من التائبين أم من العاصين؟ ولم يُفهم هذا الاختصام عند أحدٍ من العلماء على أنه خصومة مذمومة، بل هو اختلاف في التقدير العلمي، كما قال ابن حجر في [فتح الباري ج6 ص374]: (وفيه أنّ الملائكة الموكلين ببني آدم يختلف اجتهادهم في حقهم بالنسبة إلى من يكتبونه مطيعاً أو عاصياً، وأنهم يختصمون في ذلك حتى يقضي الله بينهم).

ومن ذلك أيضاً: ما ورد في الروايات الكثيرة المشتملة على تعبير اختصام الملأ الأعلى:

فقد روى الإمام أحمد بن حنبل عن ابن عباس عن رسول الله (ص) قال: «أتاني ربّي (عزَّ وجلَّ) الليلة في أحسن صورة ... فقال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم، يختصمون في الكفارات والدرجات. قال: وما الكفارات والدرجات؟ قلت: المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء في المكاره. قال: ومن فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه» [مسند أحمد ج1 ص368].

وهذا الحديث رُوي بألفاظ متقاربة عن عددٍ من الصحابة، وقد ذكره الهيثمي في [مجمع الزوائد ج7 ص179]، وقال: (رجاله رجال الصحيح).

وروى الشيخ الصدوق عن ابن عباس عن النبي (ص): «لمّا عرج بي إلى ربّي جلّ جلاله، أتاني النداء: يا محمد، قلت: لبيك ربّ العظمة لبيك، فأوحى الله تعالى إليّ: يا محمد، فيم اختصم الملأ الأعلى؟ قلت: إلهي لا علم لي. فقال: يا محمد، هلّا اتّخذت من الآدميين وزيراً وأخاً ووصياً من بعدك؟ فقلت: إلهي، ومن أتخذ؟ تخيّر لي أنت يا إلهي. فأوحى الله إليّ: يا محمد، قد اخترت لك من الآدميين عليّ بن أبي طالب، فجعله لك وزيراً وأخاً ووصياً وخليفة من بعدك، وهو باب علمك الذي يؤتى منه، والحجة على عبادك من بعدك، به يعرف أوليائي من أعدائي، وبه يتم ديني، وبه تنال رحمتي، وبه يعذب أعدائي» [كمال الدين ص250].

وهذا النص كما يورده الشيخ الصدوق يربط بين "اختصام الملأ الأعلى" وبين مقام الولاية العظمى للإمام عليّ (ع)، بوصفه مظهراً للحكمة الإلهية والاصطفاء الرباني.

وعليه، فإنّ مضمون هذه الأحاديث جميعاً يبيّن أنَّ "الاختصام" بين الملائكة هو تدارسٌ في شؤون الطاعة ومقامات القرب، لا خصومة ولا مخالفة لأمر الله تعالى. وبناءً على ذلك، يمكن فهم عبارة "تشاجر الملائكة" الواردة في رواية الاختصاص على أنها تباينٌ في الرأي ضمن نظامٍ من الطاعة والتفكر في الحكمة الإلهية، لا نزاعٌ مذموم ولا عصيان، وأنّ اختيارهم لأمير المؤمنين (ع) حكماً بينهم إنما هو إظهارٌ لمقامه العلمي الذي تجلت به الحكمة الإلهية في الأرض وفي السماء.