ماذا لو حكم أمير المؤمنين (ع) بعد النبيّ (ص) مباشرة؟
السؤال: يسأل البعض: ماذا سيحصل لو حكم أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) مباشرة؟ هل كان حال الأمّة سيتغيّر نحو الأفضل؟
الجواب:
جواب هذا السؤال لا يحتاج إلى تفكيرٍ كثيرٍ، إذ نقول بكلمةٍ واحدةٍ: ماذا لو كان رسول الله (ص) باقياً؟
كيف لا؟ وعليٌّ نفس رسول الله (ص)، وخليفته، ووزيره، وهو وليّ المؤمنين وإمامهم وقائدهم وسائسهم ومدبّر أمرهم.
وسنحاول استنطاق القرآن الكريم والسنّة النبوية وأقوال الصحابة، لمعرفة مصير الأمّة لو تولّى أمرَها أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب، وأبناؤه من بعده (ع).
قال تعالى: {اليَومَ يَئِسَ الَّذينَ كَفَروا مِن دينِكُم فَلا تَخشَوهُم وَاخشَونِ اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دينًا} [المائدة: 3]. فإنّ النبيّ الأعظم (ص) لـمّا عيّن الخليفة يوم الغدير، يئس الكفّار من زوال الدين، والقضاء عليه بموت النبيّ (ص)؛ لأنّه أقام الحافظَ للدين، والمرشدَ الهادي للأمّة من بعده. فبولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) اكتمل الدين، وأُتمّتِ النعمة، وبدونه يكون الدين ناقصاً، والنعمة غير تامّة، ولولاه لن يرضى اللهُ الإسلامَ لنا ديناً، فهناك إسلام مرضيّ لله، وإسلام غير مرضيّ، أي: إسلام ناقص، وإسلام كامل.
استطاع المسلمون بإسلامهم الناقص وغير المرضيّ أن يقوموا بتلك الفتوحات، فكيف لو كانَ إسلامُهم كاملاً ومرضيّاً بقبول ولاية أمير المؤمنين (ع) وحكومته وقيادته وتوجيهه المعصوم الذي لا يخطئ، فما الذي كان سيحصل؟ لاشكّ أننا كنّا سنفتح العالم كلّه، ولسادَ العدل والأمن أرجاءها.
ولذا ورد في الرواية: أنّ إبليس صرخَ في يوم الغدير، ولكن وعده أعوانُه من البشر أن يخرجوا الخلافة من أهل بيته، روى الحميريّ بسنده عن الإمام الصادق (ع)، عن أبيه قال: «إنّ إبليس عدوّ الله رنّ أربع رنات: يوم لُعِن، ويوم أُهبِط إلى الأرض، ويوم بُعِث النبيّ (ص)، ويوم الغدير» [قرب الإسناد ص9]. ولاحظ ما ورد من الروايات ذيل هذه الآية: {ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّه فَاتَّبَعُوه إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [سبأ: 20]
وسنذكر العديد من الآثار المترتّبة على تسلّم أمير المؤمنين (ع) زمام الأمور بعد رسول الله (ص) مباشرة، واتّباع الأمّة وطاعتهم له:
الأمر الأوّل: عصمة الأمّة من الضلال والانحراف:
وذلك كما ورد في حديث الثقلين المتواتر عن النبيّ (ص): «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً». وقوله (ص): «أهل بيتي كالنجوم بأيّهم اهتديتم اقتديتم». وقوله (ص): «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، مَن ركبها نجا، ومَن تخلف عنها غرق وهوى».
وشهد عمر بن الخطّاب بأنّ عليّاً (ع) يهدي الأمّة إلى الصراط المستقيم، ولكنّه مع ذلك لم يولِّه، وجعلها شورى في ستّة.
روى البلاذريّ بإسناده عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون: «أنّ عمر بن الخطّاب قال: إنْ ولَّوها الأجلح سلك بهم الطريق - يعني عليّ بن أبي طالب -، فقال ابن عمر: فما يمنعك منه يا أمير المؤمنين؟ قال: أكره أن أتحمّلها حيّاً وميتاً » [أنساب الأشراف ج10 ص419، الاستيعاب ج3 ص1154]. ورواه الحارث وابن سعد بإسناديهما عن إسرائيل عن أبي إسحاق [ينظر: بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ص185، الطبقات الكبرى ج3 ص340].
الأمر الثاني: ارتفاع الاختلاف بين الأمّة:
فإنّ التمسّك بمَن أمر الله التمسك به يوجب العصمة من الاختلاف، فلو حكم أمير المؤمنين (ع) لَـمَا رأينا هذه المذاهب والاختلافات بين المسلمين.
روى المحدّثون بأسانيد عديدة عن فاطمة الزهراء (عليها السلام) أنّها قالت في مرض وفاتها: «... ويحهم، أنّى زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوّة، ومهبط الروح الأمين، الطبن بأمور الدنيا والدين؟ ألا ذلك هو الخسران المبين، وما الذي نقموا من أبي الحسن؟ نقموا - والله - منه نكير سيفه، وشدّة وطأته، ونكال وقعته، وتنمّره في ذات الله، وتالله لو تكافئوا على زمام نبذه رسول الله (ص) لسار بهم سيراً سجحاً، لا يكلم خشاشه، ولا يتعتع راكبه، ولأوردهم منهلاً رويّاً فضفاضاً تطفح ضفتاه، ولأصدرهم بطاناً قد تحرّى بهم الريَّ غير متجل منهم بطائل، بعمله الباهر وردعه سورة الساغب، ولفتحت عليهم بركات من السماء، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون... أما لعمر إلهكنّ، لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج، ثمّ احتلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً، وذعافا ممقراً، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غُبَّ ما أسّس الأوّلون، ثمّ أطيبوا عن أنفسكم نفساً، وطأمنوا للفتنة جأشاً، وابشروا بسيف صارم، وبقرح شامل، واستبداد من الظالمين، يدع فيئكم زهيداً، وجمعكم حصيداً، فيا حسرة لكم، وأنّى بكم وقد عميت عليكم {أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ}، ثم أمسكت (ع)». [بلاغات النساء ص19، معاني الأخبار ص354، وغيرها].
وروى الكلينيّ بسنده عن أبي عبد الله (ع) قال: «قال أمير المؤمنين (ع): الحمد لله الذي لا مقدّم لِـما أخّر، ولا مؤخّر لِـما قدّم، ثمّ ضرب بإحدى يديه على الأخرى، ثمّ قال: يا أيّتها الأمّة المتحيّرة بعد نبيها، لو كنتم قدّمتم مَن قدّم الله، وأخّرتم مَن أخّر الله، وجعلتم الولاية والوراثة حيث جعلها الله، ما عال وليّ الله، ولا عال سهم من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله، ولا تنازعت الأمّة في شيء من أمر الله، إلّا عندنا علمه من كتاب الله، فذوقوا وبال أمركم، وما فرّطتم فيما قدّمت أيديكم، وما الله بظلّام للعبيد، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» [الكافي ج7 ص 78].
وروى الخزّار القميّ بسنده عن محمود بن لبيد، عن فاطمة الزهراء (عليها السلام) - في حديثٍ -: «أما والله، لو تركوا الحقّ على أهله واتّبعوا عترة نبيه، لَـَما اختلف في الله تعالى اثنان، ولورثها سلف عن سلف، وخلف بعد خلف، حتّى يقوم قائمنا التاسع من ولد الحسين، ولكن قدّموا من أخّره، وأخّروا من قدمه الله» [كفاية الأثر ص199].
وروى ابن قتيبة: أنّ معاوية جمع العبادلة الأربعة ليستشيرهم في بيعة يزيد، فقال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - في كلامٍ له -: «وأيم الله، لو ولّوه بعد نبيّهم لوضعوا الأمر موضعه، لحقّه وصدقه، ولأُطيع الرحمن، وعُصي الشيطان، وما اختلف في الأمّة سيفان، فاتّقِ الله يا معاوية، فإنّك قد صرت راعياً، ونحن رعيّة، فانظر لرعيّتك، فإنّك مسؤول عنها غداً» [الإمامة والسياسة ص149].
وروى الجوهريّ قال: وحدّثنا أحمد، قال: حدّثني سعيد بن كثير، قال: حدّثني ابن لهيعة: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لـمّا ماتَ وأبو ذر غائب، وقدم وقد ولي أبو بكر، فقال: «أصبتم قناعه، وتركتم قرابه، لو جعلتم هذا الأمر في أهل بيت نبيّكم لـما اختلف عليكم اثنان» [السقيفة وفدك ص64، شرح النهج الحديدي ج6 ص13].
ويروي اليعقوبيّ كلامَ أبي ذرّ بتفصيل أكثر يقول: قال أبو ذر الغفاري: «أيّتها الأمّة المتحيّرة بعد نبيها، أما لو قدّمتم مَن قدّم الله، وأخّرتم مَن أخّر الله، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيّكم، لأكلتم من فوق رؤوسكم، ومن تحت أقدامكم، ولَـمَا عال وليّ الله، ولا طاش سهم من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله، إلّا وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب الله وسنّة نبيّه، فأمّا إذ فعلتم ما فعلتم، فذوقوا وبال أمركم، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون» [تاريخ اليعقوبي ج2 ص171].
وروى القاضي النعمان: عن محمّد بن قيس، عن أبيه، قال: «كنّا عند الأعمش - فتذاكرنا الاختلاف - فقال: أنا أعلم من أين وقع الاختلاف، قلت: من أين وقع؟ قال: ليس هذا موضع ذكر ذلك، قال: فأتيتُه بعد ذلك، فخلوتُ به، وقلتُ: ذكرنا الاختلاف الواقع، وذكرتَ أنّك تعلم من أين وقع، فسألتُك عن ذلك، فقلتَ: ليس هذا موضع ذلك، وقد جئتُك خالياً، فأخبرني من أين وقع الاختلاف؟ قال: نعم، ولي أمر هذه الأمة مَن لم يكن عنده علم فسُئِل، فسأل الناس فاختلفوا، فلو ردّوا هذا الأمر في موضعه ما كان اختلاف، قلت: إلى مَن؟ قال: إلى مَن كان يُسأل بعد رسول الله (ص)، وما سُئل أحد غيره، إلى مَن كان يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، وإنّكم لن تجدوا أعلم بما بين اللوحين منّي، إلى مَن كان يضرب بيده على صدره، ويقول: إنّ هاهنا لعلماً جماً لم أجد له حملة، إلى مَن قال رسول الله (ص) فيه: أقضاكم علي بن أبي طالب » [شرح الأخبار ج1 ص196].
الأمر الثالث: انتشار الإسلام في كل الكرة الأرضية:
ولما بقيَت بقعةٌ في الأرض لم يصلها نور الهداية والإيمان المحمدي، ولما بقيت بقعةٌ يتحرك فيها إبليس وجنوده، ولضاق به الخناق. المسلمون فتحوا هذه البلدان وتوسعوا وانتشروا بقيادةٍ غير معصومة، فكيف لو كانت القيادة معصومةً منصّبةً من قِبَلِ الله تعالى لانتشر نور الهداية بفترةٍ وجيزة في كل أرجاء المعمورة؟! فإنّ الفتوحات التي حصلت في صدر الإسلام ما كان فيها من خير، يعود إلى نور الإسلام وقوته، وما كان فيها من أخطاء فتعود إلى القيادة غير المؤهلة.
الأمر الرابع: ظهور الخيرات ونزول البركات على الأمة:
قال تعالى: {وَأَلَّوِ استَقاموا عَلَى الطَّريقَةِ لَأَسقَيناهُم ماءً غَدَقًا} [الجن: ١٦]، وقال تعالى: {وَلَو أَنَّ أَهلَ القُرى آمَنوا وَاتَّقَوا لَفَتَحنا عَلَيهِم بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالأَرضِ وَلكِن كَذَّبوا فَأَخَذناهُم بِما كانوا يَكسِبونَ} [الأعراف: ٩٦].
فالاستقامة على دين الله تعالى، بالإيمان والتقوى، سببٌ لنزول البركات، وفتحِ أبواب السماء، وخروجِ خيرات الأرض، وعلوِّ الدرجات، وارتفاع المقامات.
روى الطوسيّ بسنده عن عبد الرحمن بن كثير، عن جعفر بن محمّد الصادق، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن الحسين (ص): أنّ الإمام الحسن المجتبى (ع) قال في خطبته عند صلح معاوية: «ولكن أقسم بالله قسماً تالياً، لو أنّ الناس سمعوا قول الله (عزّ وجلّ) ورسولِه، لأعطتْهم السماءُ قطرها، والأرضُ بركتَها، ولَـمَا اختلف في هذه الأمّة سيفان، ولأكلوها خضراء خضرة إلى يوم القيامة. وما طمعت فيها يا معاوية، ولكنّها لـمّا أُخرِجت سالفاً من معدنها، وزُحزِحت عن قواعدها، تنازعتها قريشُ بينها، وترامتها كترامي الكرة حتّى طمعتَ فيها أنت يا معاوية وأصحابك من بعدك، وقد قال رسول الله (ص): ما ولّت أمّةٌ أمرَها رجلاً قط وفيهم مَن هو أعلم منه إلّا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتّى يرجعوا إلى ما تركوا» [الأمالي ص566].
ورواه من طريق آخر بسنده عن أبي عمر زاذان عن الإمام الحسن المجتبى (ع)، بلفظ: «وأقسم بالله، لو أنّ الناس بايعوا أبي حين فارقهم رسول الله (ص)، لأعطتْهم السماءُ قطرَها، والأرضُ بركتَها، وما طمعتَ فيها يا معاوية، فلمّا خرجتْ من معدنها، تنازعتها قريش بينها، فطمعتْ فيها الطلقاءُ وأبناءُ الطلقاء أنت وأصحابك» [الأمالي ص560].
وروى سليم في حادثة جرّ أمير المؤمنين (ع) إلى المسجد لمبايعة أبي بكر: «ثمّ قام سلمان فقال: يا أبا بكر، اتّقِ الله وقُمْ عن هذا المجلس، ودعْه لأهله، يأكلوا به رغداً إلى يوم القيامة، لا يختلف على هذه الأمة سيفان. فلم يجبه أبو بكر. فأعاد سلمان فقال مثلها. فانتهره عمر وقال: ما لك ولهذا الأمر؟ وما يدخلك فيما هيهنا؟ فقال: مهلاً يا عمر، قم يا أبا بكر عن هذا المجلس، ودعه لأهله يأكلوا به والله خَضِراً إلى يوم القيامة، وإنْ أبيتم لتحلبنّ به دماً، وليطمعنّ فيه الطلقاء والطرداء والمنافقون. والله، لو أعلم أنّي أدفع ضيماً، أو أعزّ لله ديناً لوضعتُ سيفي على عاتقي، ثمّ ضربت به قدماً، أتثبون على وصيّ رسول الله؟ فأبشروا بالبلاء وأقنطوا من الرخاء» [كتاب سليم ص388].
روى الطبريّ قال: «وقام فروة بن عمر الأنصاريّ، فقال: يا معشر قريش، هل فيكم رجل تحلّ له الخلافة، أو يقبل في الشورى فيه ما في عليّ؟ قالوا: لا، قال: فهل في عليّ ما ليس في أحد منكم؟ قالوا: نعم، قال: فما صدّكم عنه؟ قالوا: اجتماع الناس على أبي بكر، قال: أما والله، لئن كنتم أصبتم سنتكم، لقد أخطأتم سننكم، فلو جعلتموها في عليّ لأكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم» [المسترشد ص413]. وفي روايةٍ اخرى: «أخطأتم سنّة نبيّكم» [كشف المحجّة ص177].
الأمر الخامس: سيادة العدل والإنصاف:
إنّ القائد المعصوم المنصّب من الله تعالى، لا يميل عن الحقّ، ولا يحكم بالباطل، ولا يوزع الخيرات والثروات اعتباطاً، وإنّما يعطي كلّ ذي حقّ حقّه، ويعدل بين الرعيّة، ويقسّم بالسويّة.
روى الطبرسيّ عن عمرو بن شمر، عن جابر الجعفيّ، عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (ع)، وذكر مناشدة أمير المؤمنين (ع) يوم الشورى، قال: «فتغامزوا فيها بينهم وتشاوروا وقالوا: قد عرفنا فضله، وعلمنا أنّه أحقّ الناس بها، ولكنّه رجلٌ لا يفضِّل أحداً على أحد، فإنْ ولّيتموها إيّاه جعلكم وجميع الناس فيها شرعاً سواء، ولكن ولّوها عثمانَ فإنّه يهوى الذي تهوون. فدفعوها إليه» [الاحتجاج ج1 ص210].
الأمر السادس: ارتفاع مستوى الإيمان والعمل الصالح إلى درجة استجابة الدعاء والولاية على التكوين!
روى الطبرسيّ عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه (ع) قال: «خطب الناسَ سلمانُ الفارسيّ (ره) بعد أن دفن النبيّ (ص) بثلاثة أيام، فقال فيها: ألا يا أيّها الناس... أما والذي نفس سلمان بيده، لو ولّيتموها عليّاً لأكلتم من فوقكم، ومن تحت أقدامكم، ولو دعوتم الطير لأجابتكم في جوّ السماء، ولو دعوتم الحيتان من البحار لأتتكم، ولَـمَا عال وليّ الله، ولا طاش لكم سهمٌ من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله، ولكنْ أبيتم، فولّيتموها غيرَه، فأبشروا بالبلايا، واقنطوا من الرخاء، وقد نابذتكم على سواء، فانقطعت العصمة فيما بيني وبينكم من الولاء. عليكم بآل محمد (ع)، فإنّهم القادة إلى الجّنة، والدعاة إليها يوم القيامة، عليكم بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع)..» (الاحتجاج ج1 ص151].
الأمر السابع: سدّ باب الأطماع:
فلو وليَها أهل بيت رسول الله (ص)، ووقفت الأمّة معهم، لما طمع فيها بنو أمية، وتجرؤوا على محاربة وقتل أهل بيت رسول الله (ص)، وأوغلوا سيفهم في رقاب الأمّة، وكذلك بنو مروان والعباس، وغيرهم من أراذل الخلق.
روي عن الحسن البصريّ، قال: «دخلت مسجد رسول الله (ص) فجلست إلى عبد الله بن عمر، وذلك في يوم الجمعة إلى أن طلع علينا مروان، فخطب، وصلّى، فجعل عبد الله بن عمر يقول: رحمك الله يا سلمان. ويكرّر ذلك. فقلتُ له: يا أبا عبد الرحمان، لقد ذكرتَ من سلمان شيئاً. قال: نعم، خرج علينا عشيّة بايع الناس لأبي بكر، فقال: أما والله، لقد أطمعتم فيها أولاد العتلّ، ولو ولّيتموها أهل بيت نبيّكم ما طمع فيها غيرهم. وذكرتُ قولَه هذا لـمّا رأيتُ مروان على المنبر» [شرح الاخبار ج1 ص197].
وتقدّم هذا المعنى في رواية الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، ورواية سليم عن سلمان.
قال الأستاذ فكري أبو النصر في تقديمه لكتاب «وسائل الشيعة ومستدركها»، المطبوع في مصر:
(ولـمّا لم ينظر لها نظرةً فلسفيّةً بعيدة المدى، عميقة الغور، فقد أخطأ، هذه النظرة الفلسفيّة التي حقّقت صدقها الأحداث: هي أنّه بخروج ولاية المسلمين عن آل البيت - حتّى ولو كانت لأبي بكر وعمر وعثمان - قد أصبحت معرّضةً لأنْ ينتزعها الأقوى والأدهى فيما بعد أبي بكر وعمر وعثمان، وتصبح هدفاً للطامعين والمغامرين.
أمّا لو كانت في آل البيت وحدهم مع العمل بمبادئ الشورى والنصيحة التي أقرّها الإسلام، لو أنّ عمر (رض) أيّد هذا الاتّجاه، ونظر هذه النظرة، وتعمّق هذا التعمّق لَـمَا وقعت هذه المآسي، بل لظلَّ الإسلامُ أبد الدهر أعلى مكانه، وأبسط نفوذاً، وأقوى إشراقاً، وأهدى سبيلاً، ولكانت لنا في الشرق خلافة إسلاميّة ودولة عربيّة، تضارع دولة الفاتيكان الروميّة وقوّة الغرب الماديّة) [ينظر: آراء المعاصرين حول آثار الإماميّة ص190].
والحمد لله ربّ العالمين.
اترك تعليق