ماذا يستفيد الله من إدخال الأغلبية إلى النار؟
السؤال: الملاحَظ أنَّ وضع الأغلبية من الناس يوم القيامة في جهنّم عدا فئة قليلة، وهي التي تدخل الجنة، إنَّ هذه المسألة تثير الحيرة والاستغراب، إذْ ماذا يستفيد الله والمؤمنون من ذلك كلّه؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
في البدء لابدَّ أنْ يُعلم بأنَّ الله سبحانه وتعالى منزَّهٌ عن كلِّ حاجةٍ أو نقص، فهو الغنيُّ المطلق الذي لا يُتصوَّر في حقِّه استفادة أو انتفاع من أفعال عباده، إذْ إنَّ النفع والضرر من شؤون المخلوقات الممكنة المحتاجة في وجودها وكمالها إليه، أمَّا الله سبحانه فذاته هي الكمال المطلق والغنى الذاتي، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ الله لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: 8].
وعليه، فإنَّ إدخال الكافرين النار لا يعود على الله تعالى بأيّ نفعٍٍ أو مصلحةٍ ذاتية؛ لأنَّه سبحانه لا يفعل لغرضٍ يعود عليه، بل تصدر أفعاله كلُّها على وفق العدل والحكمة الإلهية. كما هو واضح.
إذا بان هذا واتضح نعقد الكلام في مقامين:
المقام الأوَّل:
لا يخفى أنَّ إدخال الخلق إلى النار ليس بدافع الانتقام والتشفّي، وإنما هو جزاء يستحقُّونه، وذلك بعد قيام الحجَّة عليهم وإعراضهم عن الحق الواصل إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: 15]. وعليه، فإنَّ دخول الخلق إلى النار إنما هو نتيجةٌ طبيعيةٌ لاختيارهم طريق الضلال والانحراف بكامل اختيارهم وإرادتهم، كما هو واضح.
بل إنَّ إدخالهم إلى النار يبيّن عدل الله فيهم، إذْ لو ساوى الله تعالى بين المؤمن والكافر؛ لكان ذلك ظلماً؛ لأنَّ من أطاع الله وعبده يجب أنْ يختلف جزاؤه عمَّن كفر به وجحده، ولذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]. وقال سبحانه: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: 35]، وقال جلَّ جلاله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: 28]. والله تعالى منزَّهٌ عن الظلم بكلِّ ألوانه وصوره، وأنَّه ليس بظلّام للعبيد.
والمتحصَّل مما تقدَّم أنَّ إدخال البعض في النار جرَّاء عنادهم ورفضهم للحق الواصل إليهم وليس انتقاماً أو تشفِّياً كما قد يتوهَّم البعض.
من أهم أسباب دخول النار:
1ـ الكفر بالله تعالى.
كما أُشير إليه في جملة الآيات المباركة، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 39]. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ الله شَيْئاً وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران: 10]، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾[النساء: 150-151].
2ـ الشرك بالله تعالى.
كما أُشير إليه في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: 72]، وكذلك قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 6].
3ـ النفاق.
كما أُشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: 68]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِالله ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [الفتح: 6].
المقام الآخر:
بعد أنْ عرفنا أنَّ إدخال الله تعالى الخلق في النار إنما هو مسبَّبٌ عن اختيارهم وإرادتهم أنفسهم، فلا يُفرَّق فيه بين الأغلبية أو الأقلية؛ لأنَّ الملاك في الجميع واحدٌ، وبما أنَّ الله تعالى مُطَّلعٌ وعالمٌ بأنَّ الأغلبية سوف تختار النار بكامل اختيارها وإرادتها، فقد أخبر عن ذلك المصير الذي اختاره الغالب من الخلق.
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ الله تعالى بعد أنْ بيَّن للناس وأقام عليهم الحجَّة ومنحهم الحرية الكاملة في الاختيار، فلا يبقى عذرٌ لمن أُدخل في النار، قلُّوا أم كثروا.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق