لماذا اختار النبي (ص) كتابة الكتاب في رزية الخميس؟

السؤال: في رزيّة الخميس، لماذا الرسول صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين عندما مرض ووصل لمنيته طلب أنْ يكتب كتاباً لن تضلّ الأمة بعده أبداً؟ لماذا لم يكتب الكتاب في أيَّام حياته؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

لم تكن الكتابة في آخر حياة النبيّ (ص) (رزيّة الخميس) تأسيساً لهدايةٍ مجهولةٍ من قبل، بل توثيقاً نهائياً وتثبيتاً لما سبق تبليغه قولاً وعملاً للأمّة. فمنذ سنين قبل مرضه الأخير أوضح النبيّ الطريقَ الذي ينبغي للأمّة أنْ تسلكه بعد وفاته عبر حديث الثقلين وعشرات الأحاديث التي أكّدت ضرورة الرجوع إلى العترة والأخذ عنهم، مضافاً إلى التصريحات الجليّة في ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) كما في غدير خم: «من كنتُ مولاه فهذا عليّ مولاه». وهكذا بيّن النبيّ خطوط القيادة والمعرفة بعدة بياناتٍ علنيّةٍ متظافرة؛ وكانت الرسالة مكتملةَ المضمون، غير أنّه أراد في ساعته الأخيرة أن يضع ختمها التوثيقي المكتوب، ليجتمع القولُ والفعلُ والوثيقةُ في حجّةٍ واحدةٍ لا تُدفَع.

كما أنَّ الطلب بإحضار الكتاب عند حضور الموت جاء منسجماً مع سنن الوصية التي قرّرها القرآن، مضافاً إلى أنَّ ذلك يتفق مع ضرورة الكتابة في الأمور التي تكون مورداً للخصومة والنزاع، والنبيّ (ص) الذي كتب رسائل واتفاقات طوال عهده لم يكن يعوزه الورق ولا القدرة على الإملاء، لكنه قصد بتوقيت الكتاب أنْ يكون النصّ الختامي أشدّ حجيةً وأقرب قطعاً للمراء. فمنطقيّاً؛ لو كُتب الكتاب قبل ذلك بسنواتٍ لوجد المعترضون ذرائعَ أخرى (زمنُ الكتاب، سياقُه، دعوى النسخ…) إلى غير ذلك، وحينها ستكون النتيجة واحدة؛ فالذين رفضوا كتابةَ الكتاب عند وفاته سيرفضونه أيضاً لو كُتب في أيّام حياته.

بل يمكن القول إنّ الكتابة في اللحظة الأخيرة من حياته، مع الحضور العامّ والتسمية الصريحة لوظيفتها: «كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً»، كانت أوثق حجّةً وأشدّ قطعاً للجدل؛ ولهذا كان الاعتراض عليها أعنف؛ إذْ لم يكن ما جرى في مجلس الخميس نتيجة غياب البيان ولا تأخّر الكتاب، بل رفضاً صريحاً لما أراد النبيّ (ص) أنْ يثبته، فارتفعت الأصوات واضطرب المجلس بعد أنْ قيل: (حسبُنا كتابُ الله) و(إنّ الرجل ليهجر) ـ والعياذ بالله ـ فتعطّل امتثال أمره الكريم: «ائتوني أكتبْ لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً».

وفي المحصلة، فإنّ بيان المعصوم حجّةٌ ولو لم يُدوَّن، والسؤال المنصف لا ينبغي أن يكون: لِمَ لمْ يكتب من قبل؟ بل: لِمَ مُنع من الكتابة؟