هل تعلّم النبي (ص) من بحيرا وورقة بن نوفل؟
السؤال: يروّج المستشرقون دائماً لعلاقة خاصة بين الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) مع الراهب بحيرا وورقة بن نوفل، ويزعمون تأثر النبيّ بهم، وتعلّمه منهم. هل يمكن معرفة ماهية العلاقة هذه بينهم لنردَّ على الافتراءات؟
الجواب:
قصة الراهب بحيرا ذُكرت في بعض كتب السيرة، ومنها سيرة ابن هشام، حيث ورد: أنَّ النبيّ (ص) - وهو غلامٌ في الثانية عشرة من عمره - خرج مع عمّه أبي طالب في رحلةٍ إلى الشام، وهناك رآه راهبٌ يُدعى بحيرا، فوجد فيه علامات النبوة، فقال لعمّه: (احذر عليه اليهود، فله شأنٌ عظيمٌ).
والقصة لا تذكر أيّ حديثٍ أو جلسة تعليمٍ بين الراهب والنبيّ (ص)، بل مجرد لقاءٍ عابر أمام القافلة وبحضور الجميع، ولم يكن هناك وقتٌ ولا ظرفٌ يسمح بأيّ نوعٍ من التعليم أو التأثير، خاصة أن النبيّ (ص) في ذلك السن كان غلاماً صغيراً لم يمارس القراءة والكتابة، كما وصفه القرآن: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48].
وقد شكّك بعض المحقّقين في تفاصيل هذه الرواية نفسها؛ لأنَّها من أخبار الآحاد، وتنتهي بسندها إلى (قراد أبي نوح)، الذي رواها بالواسطة عن أبي موسى الأشعريّ، مع أنّ أبا موسى تأخر إسلامه نحو سبع سنوات بعد البعثة، ولم تُعرف رواية لهذه القصة عن أيّ من الصحابة غيره، مما يضعف من قيمتها التاريخيَّة.
يضاف إلى ذلك: ما ورد فيها من تضارب في التفاصيل والأسماء والتواريخ، وهو ما يرجّح أن القصة قد جرى تضخيمها لاحقاً لتُستعمل في تفسير النبوة تفسيراً بشرياً، لا إلهياً.
أما على فرض قبولها، فإنّ أقصى ما يمكن أن تدل عليه هو شهادة راهبٍ بأن محمداً (ص) يحمل صفات النبيّ الموعود الذي كانت الكنائس الشرقية تنتظره آنذاك، لا أكثر.
أما ورقة بن نوفل، فلم يكن بينه وبين النبيّ (ص) علاقة سابقة، بل لقاؤه كان بعد نزول الوحي في غار حراء، عندما عاد النبيّ (ص) إلى بيته بعد أن تلقى أول وحي من جبريل (ع).
تقول بعض الروايات عند أهل السنة: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) عاد من غار حراء خائفاً يقول: «زملوني زملوني»، فأخذته السيدة خديجة إلى ورقة بن نوفل ليطمئنه، فقال له ورقة: «هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى»!! غير أن علماء الشيعة لا يقبلون هذه الرواية؛ لأنَّها تتنافى مع أصل العقيدة في عصمة النبيّ (ص) وكماله منذ ولادته.
ولمن أراد التوسع في تحليل هذه القصة وسائر الروايات المشابهة، يمكن الرجوع إلى موسوعة "الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم" للعلامة جعفر مرتضى العامليّ، التي ناقشت أسانيدها ومضامينها بالتفصيل.
فالنبيّ (ص) عند الشيعة لم يكن مضطرباً أو خائفاً من الوحي؛ لأنه كان يعرف منذ طفولته أنه نبيٌّ مختارٌ من الله تعالى، وقد وردت رواياتٌ كثيرةٌ تصرّح بنبوته قبل بعثته العلنية، أي قبل أن يُؤمر بتبليغ الرسالة حين بلغ الأربعين. وقد أشار إلى ذلك العلامة المجلسيّ في [بحار الأنوار ج18 ص278]، إضافةً إلى الحديث المشهور عند الفريقين، وهو قوله (ص): «كنت نبيَّاً وآدم بين الماء والطين» [مناقب آل أبي طالب ج1 ص183، مصنف ابن أبي شيبة ج8 ص438].
فوعيه بالوحي لم يكن مفاجأة تسببت له بالخوف، بل كان انتقالاً من طور النبوة الباطنة إلى الرسالة الظاهرة، والرهبة التي أحسّ بها كانت رهبة الموقف وجلال التجربة، لا خوف الجهل أو الشك، كما قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].
ولو سلّمنا بصحة هذه الروايات جدلاً، فإنَّ أقصى ما تدل عليه هو أنَّ ورقةً كان شاهداً من أهل الكتاب على صدق الوحي الجديد، لا معلّماً ولا موجّهاً. وورقة بدوره أكَّد ذلك، ولم يُعرف أنه لقي النبيّ (ص) بعدها أو شاركه في أي أمرٍ من شؤون الدعوة. فلو كان هو الذي علّمه أو ألهمه، لكان المفترض أن يستمر أثره في سيرة النبيّ (ص)، وهذا ما لم يحدث أبداً.
من هنا، يتبين أنَّ العلاقة بين النبيّ (صلى الله عليه وآله) وبين كلٍّ من بحيرا وورقة لم تكن علاقة تعليم ولا تأثر، بل علاقة إشهاد وتبشير. بحيرا رأى علامات النبوَّة فيه منذ الصغر، وورقة شهد بصدقها عند ظهور الوحي. وكلٌّ منهما كان موقناً بأنه أمام نبيّ موعود، لا طالب علمٍ جديد.
أما المستشرقون فقد التقطوا هذه القصص ليبنوا عليها فرضية أن النبيّ (ص) استمد تعاليمه من مصادر بشرية، ليتجنبوا الاعتراف بالوحي. لكن هذه الفرضية تنهار أمام حقائق واضحة:
أولاً، القرآن جاء بمنظومةٍ فكريةٍ وتشريعيةٍ وأخلاقيةٍ لم تعرفها لا اليهودية ولا المسيحية، وفيه تصحيحٌ ونقدٌ دقيقٌ لكثيرٍ من عقائدهم وتحريفاتهم. فهل يمكن لمن تأثر بهم أن ينتقدهم بهذه القوة والوضوح؟
فالقرآن الذي نزل عليه لم يكن تكراراً لما في كتبهم، بل جاء مهيمناً عليها، كما قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48].
ثانياً، لم يقل أحدٌ من معاصري النبيّ في مكة – رغم خصومتهم الشديدة معه – أنه تعلم من بحيرا أو ورقة، مع أنهم اتهموه بالسحر والجنون والشعر، فلو كان له مصدر بشري لذكروه أولاً.
ثالثاً، أميّته المعلنة – التي أكَّدها القرآن – دليلٌ قاطعٌ على أنه لم يتلق تعليماً منظماً من أحد، فكيف ليتيم أميّ في بيئة جاهلية أن يأتي بكتاب أعجز العرب والفرس والروم؟
وفي المحصلة، فإن الروايات التي تصف النبيّ (ص) بالخوف أو بالجهل بطبيعة الوحي تُعدّ من الروايات المدسوسة التي دخلت كتب السيرة عن طريق بعض رواة السلطة أو من تأثر بالإسرائيليات، وهي لا تملك وزناً عند علماء الشيعة ولا عند المنصفين من الباحثين.
وهكذا، فإن ما يروّجه المستشرقون عن "تأثر النبيّ" أو "تعلمه" من بحيرا وورقة، لا يستند إلى أساسٍ صحيحٍ، بل إلى قراءةٍ سطحيةٍ ومغرضة للتاريخ، غايتها نفي البعد الإلهي عن الوحي. بينما الحقيقة التي تشهد بها الوقائع والعقل والقرآن، أن النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان مصدر النور لا متلقّيه، وأنه جاء بالوحي ليهدي به العالمين، لا ليكرّر ما سمعه من أحد.
اترك تعليق