لماذا يمجد الشيعة من ترك التقية مع أن العمل بها واجب؟
السؤال: من مفارقات الإمامية هي تمجيدهم بعض أصحاب الأئمة؛ لأنَّهم رفضوا العمل بالتقية وصدعوا بالحق حتى دفعوا أرواحهم ثمناً لذلك! وسؤالي: من الأولى بتلك البطولة في الصدع بالحق هل أصحاب الأئمة أم الأئمة الذين كلفهم الله في القيام بأعباء الإمامة ببيانهم للحق وهداية الخلق؟! وإذا كان العمل بالتقية واجباً فلماذا يتم تمجيد بعض أصحاب الأئمة وبعض العلماء الذين رفضوا العمل بالتقية وتسبب ذلك في موتهم، مع أنهم ارتكبوا المحرم بعدم العمل بالتقية؟
الجواب:
في البداية ينبغي أنْ نوضح أنَّ التقية ليست نفاقاً ولا جبناً، بل هي تشريعٌ إلهيٌّ لحماية النفس والدين والمجتمع في ظروف القهر والاضطهاد، وقد دلّ عليها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: 28]، وقوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإيمانِ﴾ [النحل: 106]، وورد عن بكر بن محمّد، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إنّ التقيّة ترس المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقيّة له، فقلتُ له: جعلت فداك، أرأيت قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإيمانِ﴾؟ قال (عليه السلام): وهل التقيّة إلّا هذا؟» [قرب الإسناد ص35].
غير أنَّ هذا الإطلاق لا يعني أنَّ التقية مطلوبةٌ في كل الأحوال، بل هي كغيرها من الأحكام المشروطة بالمصلحة، فتجب حين يكون في تركها هلاكٌ بلا جدوى، وتُرفع حين يكون الصدع بالحق هو المصلحة الأرجح.
فالأئمة (عليهم السلام) لم يكونوا مأمورين بإخفاء الحق على الإطلاق، ولا مأذونين في إظهاره في كلّ وقت، بل كانوا أعلم الناس بحدود الزمان والمكان والمقام. فيتّقي أحدهم إذا كان الصدع بالحق يؤدي إلى إطفاء نور الدعوة أو إلى ضياع شيعتهم من دون فائدة، ويجهر آخر بالحق إذا كان البيان هو الحجة التي لا بد أن تُقام؛ ولهذا نرى أن الإمام الحسين (عليه السلام) مثلاً لم يعمل بالتقية، بل خرج معلناً قيامه؛ لأن في خروجه إظهاراً للحق ونصرةً للدين، بينما صالح الإمام الحسن (عليه السلام) معاوية لأن صلحه كان هو الطريق إلى حفظ الدين وحقن دماء المؤمنين.
فكل إمام تصرّف وفق مقتضى الحكمة الإلهيَّة في زمانه، لا وفق نزعة فردية؛ ولهذا اقتضت مشيئة الله أنْ يكون بعضهم شهيداً بالدم كالحسين (عليه السلام)، وبعضهم شهيداً بالصبر كالسجاد والباقر والصادق (عليهم السلام)؛ لأن البطولة الحقيقية هي في معرفة متى تُعمل التقية ومتى تُرفع، لا في تركها بلا وعي.
والحال نفسه ينطبق على أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، فمَن لم يعمل بالتقية مثل حجر بن عدي وواجه الموت بصمودٍ لم يخالف تكليفه الشرعي، بل كان تكليفه في ظرفه الخاص هو المواجهة والصدع بالحق. فكما أنَّ التقية شُرعت لحفظ الدين، فإن تركها في بعض المواقف يكون لحفظ الدين أيضاً، والملاك في الحالتين واحد: نصرة الحق. فمن صدع بالحق في ظرفٍ كان الإخفاء فيه تضييعاً للرسالة فقد أصاب التكليف، ولو أدّى إلى استشهاده، أما من خالف التقية في ظرفٍ كان التكليف فيه الكتمان، فلا يُمدَح بل يُعدّ مخالفاً، وهذا ما صرّحت به روايات أهل البيت (عليهم السلام). فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): «التقية في كلّ ضرورة، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به» [الكافي ج2 ص219]. وقال (عليه السلام): «التقيّة في كلّ شيء حتّى يبلغ الدم، فإذا بلغ الدم فلا تقيّة» [الهداية ص52].
فالتقية والصدع بالحق ليسا نقيضين، بل وجهان لطاعة الله بحسب الظرف، وكلاهما فعلٌ مشروعٌ إذا صدر في موضعه.
وفي المحصلة، التقية في الفكر الإماميّ حكمٌ متغيّرٌ تدور معه المصلحة الشرعية وجوداً وعدماً، والأئمة (عليهم السلام) هم الأعلم بحدودها. أما الذين صدعوا بالحق من أصحابهم، فإنما فعلوا ذلك لأنَّ الموقف استدعى البيان لا الكتمان، فالمدار في التمجيد ليس على ترك التقية، بل على العمل بالتكليف الإلهيّ في ظرفه الصحيح، سواء كان ذلك بالستر أو بالتصريح، إذ كلاهما جهادٌ في سبيل الله.
اترك تعليق