هل شهد الإمام علي (ع) لطلحة بالجنة؟
السؤال: روي عن ربعي بن حراش قال: «إني لعند عليٍّ جالس إذْ جاء ابن طلحة فسلَّم على عليٍّ فرحَّب به علي، فقال: ترحِّب بي يا أمير المؤمنين وقد قتلت والدي وأخذت مالي؟ قال: أمَّا مالك فهو معزول في بيت المال فاغد إلى مالك فخذه، وأمَّا قولك قتلت أبي فإني أرجو أنْ أكون أنا وأبوك من الذين قال الله: ﴿وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: 47]، فقال رجلٌ من همدان أعور: الله أعدل من ذلك، فصاح عليٌّ صيحة تداعى لها القصر، قال: فمن ذاك إذا لم نكن نحن أولئك» وإسناده صحيح وله عدَّة أسانيد صحيحة أُخرى، فهل شهد الإمام علي (عليه السلام) لطلحة بالجنة؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
لا يخفى أنَّ الرواية المذكورة في السؤال من مرويات العامَّة، فقد رواها ابن سعد الزهريّ في [الطبقات الكبرى ج3 ص225]، وبعدها نقلت في أكثر من مصدر من مصادرهم، ولم ترد من طرق أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، ولذلك فهي من مرويات القوم.
إذا بان هذا فلنعقد الكلام في ذكر أمور:
الأمر الأوَّل: إنَّ هذه الرواية لا تُعدُّ من مرويات أهل البيت (عليهم السلام) كما قلنا، وبالتالي فلا حجَّية فيها على الشيعة؛ لأنَّ المقياس في الاحتجاج عندنا هو ما صدر عن أئمَّتنا المعصومين (عليهم السلام) دون غيرهم. فالروايات التي تُروى من غير طريقهم ـ مهما كان راويها أو ناقلها ـ لا تكتسب صفة الإلزام، ولا تقوم بها الحجة في المسائل العقدية أو الشرعية عندنا، ما لم تُعضَّد بقولٍ أو تقريرٍ صادرٍ عن الإمام المعصوم (عليه السلام) كما هو واضح.
وبناءً على ما تقدَّم، فلا يُمكن الاحتجاج بهذه الرواية على الشيعة بوجهٍ من الوجوه، لعدم تماميتها وفق الموازين الخاصَّة بنا.
الأمر الثاني: إنَّ الخبر المذكور يُمكن المناقشة في إسناده، إذ انفرد به أبان بن عبد الله البجليُّ عن نعيم بن أبي هند، وكلٌّ منهما فيه قدحٌ يمنع صدور الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام).
فأمَّا أبان بن عبد الله البجليّ، فقد اختلف فيه نقَّاد الحديث، إذْ وثَّقه ابن معين والعجليّ وابن نمير وغيرهم، وضعَّفه الدارقطني والعقيليّ. وقال النسائيُّ: ليس بالقوي، وقال فيه ابن حبَّان: كان ممن فحش خطؤه، وانفرد بالمناكير. [يُنظر: تهذيب التهذيب ج1 ص251].
وأمَّا نعيم بن أبي هند فهو وإنْ وثَّقه بعض نقَّاد الحديث، لكنَّه كان ناصبياً، أي: ينصب العداء لأمير المؤمنين (عليه السلام)؛ ولذلك امتنع من الرواية عنه سفيان الثوريّ. [يُنظر تهذيب التهذيب ج13 ص713]. وكونه ناصبياً معناه أنه منافق، فلذا نجري عليه قوله تعالى: ﴿وَالله يَشْهَدُ إِنَّ الْمنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:1]، فلماذا ينفرد هذان الراويان بهذا الخبر مع أنَّ فيه دواعي الانتشار؟!
الأمر الثالث: إنَّ موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) من طلحة بن عبيد الله في حياته وبعد مماته واحدٌ، وهو العداء والتبرِّي، فكيف يشهد له بالجنة بعد ذلك؟! إليكم جملة مما روي في هذا المجال.
1ـ روى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وفيه قوله: «...وأمَّا التاسعة عشرة، فإنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قال: ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، فمن قاتلك منهم فإنَّ لك بكلِّ رجل منهم شفاعة في مائة ألف من شيعتك، فقلتُ: يا رسول الله، فمن الناكثون؟ قال: طلحة والزبير سيبايعانك بالحجاز وينكثانك بالعراق، فإذا فعلا ذلك فحاربهما، فإنَّ في قتالهما طهارة لأهل الأرض ... الرواية» [الخصال ص572].
2ـ وروى الشيخ المفيد (طاب ثراه) عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفيه قوله: «قد علمتم ـ معاشر المسلمين ـ أنَّ طلحة والزبير بايعاني طائعين راغبين، ثمَّ استأذناني في العمرة فأذنتُ لهما، فسارا إلى البصرة، فقتلا المسلمين وفعلا المنكر. اللهم إنهما قطعاني وظلماني ونكثا بيعتي وألَّبا الناس عليَّ، فاحلل ما عقدا، ولا تحكم ما أبرما، وأرهما المساءة فيما عملا» [الإرشاد ج1 ص٢٥٠].
3ـ وروى (طاب ثراه) أيضاً، وفيه قوله (عليه السلام): «ثمَّ نادى أمير المؤمنين (عليه السلام) في الناس: تجهَّزوا للسير، فإنَّ طلحة والزبير قد نكثا البيعة ونقضا العهد، وأخرجا عائشة من بيتها يريدان البصرة، لإثارة الفتنة وسفك دماء أهل القبلة، ثمَّ رفع يديه إلى السماء فقال: اللهم إنَّ هذين الرجلين قد بغيا عليَّ ونكثا عهدي ونقضا عقدي وشاقاني بغير حق سومهما ذلك، اللهم خذهما بظلمهما واظفرني بهما وانصرني عليهما» [الجمل ص129].
4ـ وروى (طاب ثراه) أيضاً، وفيه قوله (عليه السلام): «ومرَّ على طلحة بن عبيد الله فقال: هذا الناكث بيعتي، والمنشئ الفتنة في الأمَّة، والمجلب عليَّ، الداعي إلى قتلي وقتل عترتي. أجلسوا طلحة، فأُجلس، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا طلحة بن عبيد الله، قد وجدتُ ما وعدني ربي حقاً، فهل وجدتَ ما وعد ربك حقاً؟ ثمَّ قال: أضجعوا طلحة وسار. فقال له بعض من كان معه: يا أمير المؤمنين، لتكلِّم كعباً وطلحة بعد قتلهما؟! قال: أم والله إنهما لقد سمعا كلامي كما سمع أهل القليب كلام رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوم بدر» [الإرشاد ج1 ص٢٥٦].
5ـ وروى (طاب ثراه) أيضاً أنه (عليه السلام) لما بلغه (خبر طلحة والزبير وقتلهما حكيم بن جبلة ورجالاً من الشيعة وضربهما عثمان بن حنيف وقتلهما السبابجة، قام على الغرائر فقال: إنه أتاني خبرٌ متفظِّعٌ ونبأٌ جليل: أنَّ طلحة والزبير وردا البصرة فوثبا على عاملي فضرباه ضرباً مبرحاً ... اللهم اجزِ طلحة والزبير جزاء الظالم الفاجر والخفور الغادر) [الكافئة ص17].
إلى غيرها من الأخبار الكثيرة الدالَّة على شدَّة التقاطع بينهم.
الأمر الرابع: إنَّ الوارد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) أنَّ قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ نازلٌ في حق شيعتهم دون غيرهم، مما يدلُّ على كذب الرواية الواردة في السؤال، وهو ما يساعد عليه الاعتبار أيضاً، إذْ لا يُعقل أنْ يكون القاتل والمقتول والمحق والمبطل معاً في الجنة.
منها:
1ـ ما رواه العيَّاشيُّ (طاب ثراه) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أنتم والله الذين قال الله: ﴿وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾، إنما شيعتنا أصحاب الأربعة الأعين، عينين في الرأس، وعينين في القلب، ألا والخلائق كلُّهم كذلك إلَّا أنَّ الله فتح أبصاركم وأعمى أبصارهم) [تفسير العيَّاشي ج2 ص٢٤٤].
2ـ وما رواه (طاب ثراه) أيضاً عن محمَّد بن مروان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس منكم رجل ولا امرأة إلَّا وملائكة الله يأتونه بالسلم، وأنتم الذين قال الله: ﴿وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾» [تفسير العيَّاشي ج2 ص٢٤٤].
هذا، ويُمكن الاحتجاج بما رواه الطبريّ عن علي (عليه السلام) قال: «فينا ـ والله ـ أهل بدر نزلت: ﴿وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾» [تفسير الطبري ج8 ص240]. باعتبار أنَّ طلحة لم يشهد معركة بدر، لأنه كان في رحلةٍ تجاريةٍ إلى الشام عندما وقعت معركة بدر [يُنظر: فصل الخطاب لمحمَّد عويضة ج1 ص532].
كلمات السيِّد المرتضى:
ولنختم جوابنا هذا بذكر كلمات للسيِّد المرتضى (طاب ثراه)، حيث قال: (فأمَّا ما رواه مِنْ ترحُّم أمير المؤمنين (عليه السلام) وقوله: «إني لأرجو أنْ أكون أنا وطلحة والزبير إخواناً على سرر متقابلين» خبر ضعيف لا يوجب العلم، ويعارضه ما قدَّمناه من الأخبار التي تدلُّ على الإصرار ونفي التوبة، مما هو أظهر في الرواية وأشهر وأولى من غيره ... ويعارض هذين الخبرين ـ مضافاً إلى ما تقدَّم ـ ما رواه حسن الأشقر، عن أبي يعقوب يوسف البزاز، عن جابر، عن أبي جعفر محمَّد بن علي (عليه السلام) قال: «مرَّ عليٌّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بطلحة وهو صريع فقال: أقعدوه، فأقعدوه، فقال: لقد كانت لك سابقة ولكنْ دخل الشيطان منخريك فأدخلك النار». وروى معاوية بن هشام، عن صاحب المزني، عن الحارث بن حضيرة، عن إبراهيم مولى قريش «أنَّ علياً (عليه السلام) مرَّ بطلحة قتيلاً يوم الجمل فقال لرجلين: اجلسا طلحة، فأجلساه، فقال: يا طلحة، هل وجدتَ ما وعد ربك حقاً ... إلى قوله (طاب ثراه): وكيف يترحَّم على طلحة بلسانه من لم يترحَّم عليه في كتابه، مع ترحُّمه على المستشهدين في الحرب؟ وكيف يكون ذلك وهو يذكره مع الزبير بأسوأ الذكر في كتبه التي سارت بها الركبان؟) [الشافي في الامامة ج4 ص343].
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ ما ورد في السؤال من شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) لطلحة بالجنة من أكاذيب أهل الخلاف، كما بيَّنا .. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق