هل هناك إسلام وسطي؟

السؤال: يوجد مصطلحٌ يردّده الاعلام المعاصر وهو "إسلامٌ وسطيٌّ". هل فعلاً يوجد هذا المصطلح واقعاً، ونستطيع تطبيقه؟ وهل يمكن معرفة حدوده؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الإجابة:

هذا المصطلح بالفعل يحتاج إلى معالجة من عدّة أبعاد، فمع شيوعه في الإعلام والخطاب الإسلامي المعاصر، إلَّا أَّنه يفتقر إلى تحديدٍ دقيقٍ للمفهوم وإلى تأصيلٍ واضحٍ في التراث الإسلاميّ. فأصل هذا المفهوم له وجودٌ في النصوص الإسلامية كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:143].

فكلمة "وسط" تحمل معنى الاعتدال والتوازن بين طرفي الإفراط والتفريط، مثل الوسطية بين التقصير والغلو، وبين القيم الروحية والمادية، وبين مصالح الفرد والمجتمع، وبين الثبات على الأصول والقدرة على مواكبة العصر، فالأمة الوسط هي الأمة المتوازنة في عقيدتها وشريعتها وأخلاقها، فهي ليست أمةً متطرفةً في الغلو كما فعلت بعض الأمم، ولا متساهلة في التمييع كما فعلت أممٌ أخرى، بل هي أمَّةٌ قائمةٌ على العدل والاعتدال والاحتكام إلى الوحي.

ففي الرواية: "عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ يَا مَعْشَرَ الشيعَةِ كُونُوا النمرقة الوسطى، يَرْجِعُ إِلَيْكُمُ الْغَالِي، وَيَلْحَقُ بِكُمُ التَّالِي. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ - يُقَالُ لَهُ: سَعْدٌ -: جُعِلْتُ فِدَاكَ، مَا الْغَالِي؟ قَالَ: قَوْمٌ يَقُولُونَ فِينَا مَا لَا نقُولُهُ فِي أَنْفُسِنَا، فَلَيْسَ أُولئِكَ مِنَّا، وَلَسْنَا مِنْهُمْ. قَالَ: فَمَا التَّالِي؟ قَالَ: الْمُرْتَادُ يُرِيدُ الْخَيْرَ يُبْلُغُهُ الْخَيْرَ يُوجَرُ عَلَيْهِ.." (الكافي ج3 ص 193)

ومع ذلك لم نجد في التراث الإسلامي مصطلحاً بعنوان "الإسلام الوسطي" كمفهومٍ مستقلٍ أو مدرسةٍ خاصةٍ، فكلُّ ما هو موجودٌ حديثٌ عن العدل والقسط والصراط المستقيم وكلُّ ما يحدث توازناً في السلوك والاعتقاد، وهذا بخلاف ما يحمله المصطلح من دلالاتٍ في العصر الحديث كما تتبناه بعض الحركات الإصلاحيَّة أو بعض الانظمة السياسيَّة.

والظاهر أنَ الخطاب المعاصر استخدم مصطلح "الإسلام الوسطي" لأغراضٍ متعدّدة؛ فهو عند بعض المفكرين يشير إلى الإسلام الذي يرفض التطرف والعنف، ويوازن بين النص والواقع، ويجمع بين الأصالة والمعاصرة. وعند بعض الأنظمة السياسية صار شعاراً لمواجهة الحركات الإسلاميَّة التي رأت فيها تهديداً، فرفعت لواء "الوسطية" لتقابل به "التطرف".

وفي الإعلام الغربيّ غالباً ما يُستعمل المصطلح للدلالة على الإسلام الذي يقبل بالقيم الليبراليَّة الغربيَّة، أو يندمج في النظام العالمي القائم.

وهذا التعدد في الاستعمالات يكشف عن مشكلة، إذ قد يتحول المصطلح إلى لافتة فارغة تحملها جهاتٌ متباينةٌ، كلٌّ منها يملؤها بالمعنى الذي يريده.

وإذا أردنا تحديد "الإسلام الوسطي" في إطارٍ علميٍّ، فيمكن ربطه بثلاثة محاور:

الوسطية العقدية: الإيمان بالله وصفاته بعيدًا عن التجسيم أو التعطيل، وبالنبوة والإمامة بعيدًا عن الغلو أو التفريط.

الوسطية التشريعية: الجمع بين متطلبات الروح والجسد، وبين الحقوق والواجبات، بحيث لا يكون الدين رهبانية ولا مادية صرفة.

الوسطية الأخلاقية والاجتماعية: التوازن بين الفرد والمجتمع، بين الحرية والالتزام، وبين الرحمة والعدالة.

وفي المحصلة، لا بد من وضع معيارٍ واضحٍ يرتكز على مرجعية الوحي، فالوسطية الحقيقية هي ما حدَّده الوحي، أي العودة إلى النصوص القرآنيَّة والنبويَّة وتفسيرات الأئمة والعلماء الراسخين. ومن دون هذا المعيار، يصبح المصطلح مجرد أداةٍ سياسيَّةٍ أو إعلامية.