هل جهل الأنصار وصية النبي الأعظم (ص)؟
السؤال: بعد رحيل الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) تقول الأخبار: إنَّ الأنصار هم أوَّل من توجَّه لسقيفة بني ساعدة لاختيار خليفةٍ وحاكمٍ للمدينة، وليس المهاجرين، وأنَّ أبا بكر وعمر ذهبا إلى هناك بعد علمهما بالأمر، فهل لم يكن عند الأنصار علمٌ بالوصية، وأنَّ عليَّاً هو الإمام والخليفة بعد الرسول؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
لا يخفى أنَّ الموقف الرسميَّ لرواية السقيفة هو أنَّ الأنصار هم أوَّل من اجتمع في سقيفة بني ساعدة؛ لأجل مبايعة زعيمهم سعد بن عبادة، وبعدها علم أبو بكر وعمر بذلك وذهبا إليهم ودار بينهم ما دار حتَّى حُسم الأمر لصالح أبي بكر، ولكنَّنا لا نقبل بهذه العفوية التي يُصوِّرها الموقف الرسميُ لحادثة السقيفة؛ وذلك لما نعلم من تخطيط القوم وتعاقدهم على هذه المسألة في حياة النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله). وما حديث الصحيفة الملعونة، وعدم الالتحاق بجيش أسامة، ورزية الخميس، وإخبار الثاني بعدم موت النبيّ، وغيرها من المواقف إلَّا شواهد على صحَّة ما نعتقد.
إذا بان هذا فلنعقد الكلام في ذكر أمور:
الأمر الأوَّل: إنَّ دعوى اجتماع الأنصار في السقيفة لتنصيب خليفةٍ للمسلمين عامَّة أمرٌ غير مسلَّم، إذْ يظهر من بعض عباراتهم ـ كما سوف يأتي ـ أنهم لا يبايعون إلَّا علياً (عليه السلام)؛ ولذلك يحتمل أنْ يكون اجتماعهم آنذاك من أجل تنصيب والٍ على إدارة المدينة فقط، لسدِّ الفراغ السياسيّ بعد شهادة النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله). أو لتفادي مخطط القرشيين الذين لا يؤمن شرَّهم، سواء للكيد بالإسلام أو الكيد بأمير المؤمنين (عليه السلام) خاصَّة. ولكن لمَّا اجتمع القرشيون تحوَّل المؤتمر لتنصيب والٍ على المسلمين عامَّة.
وما يُرشد إلى ذلك: أنَّ أكثر الذمّ الصادر من المعصومين (عليهم السلام) في خصوص الخلافة، كان متوجِّهاً للمهاجرين القرشيين، فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال في قريش: «ما لنا ولقريش، وما تنكر منا قريش، غير أنَّا أهل بيت شيَّد الله فوق بنيانهم بنياننا، وأعلى الله فوق رؤوسهم رؤوسنا، واختارنا الله عليهم فنقموا عليه أنْ اختارنا عليهم، وسخطوا ما رضى الله، وأحبُّوا ما كره الله ...» [مناقب آل أبي طالب ج٢ ص٤٧]، وغيره من الروايات.
وأمَّا الذم الصادر في حقِّ الأنصار فهو لعدم نصرتهم وليس من أجل الخلافة والحكم. والمنبّه لهذا الأمر ما ذهب إليه بعض الأعلام من أنَّ سعد بن عبادة ما كان يريد الخلافة لنفسه وإنما أرادها لأمير المؤمنين (عليه السلام) كما يفهم من بعض الأخبار.
روى عماد الدين الطبريُّ عن ابن علقمة قال: (قلتُ لابن عبادة: قد مال الناس إلى بيعة أبي بكر. قال: فقلتُ: ألا تدخل فيما قد دخل فيه المسلمون؟ قال: إليك عنِّي فو الله لقد سمعتُ رسول الله يقول: إذا أنا متُّ تضلُّ الأهواء ويرجع الناس على أعقابهم، فالحقُّ يومئذٍ مع علي، وكتاب الله بيده، لا نبايع لأحدٍ غيره. فقلتُ له: هل سمع هذا الخبر غيرك من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟ فقال: سمع أناسٌ في قلوبهم أحقاد وضغائن. قلتُ: بل نازعتك نفسك أنْ يكون هذا الأمر لك دون الناس كلِّهم. فحلف أنَّه لم يهم بها، ولم يردها، وأنَّهم لو بايعوا عليَّاً كان أوًّل من بايع سعد) [كامل البهائي ج1 ص324].
الأمر الثاني: لو سلَّمنا بأنَّ اجتماع الأنصار كان لتنصيب خليفةٍ للمسلمين كافة، فإنَّ هذا لا يعني أنْ يكون اجتماعهم ناشئاً عن جهلٍ بالوصية، كما أنَّ اجتماع المهاجرين لم يكن ناشئاً عن جهلٍ بها أيضاً، إذْ دواعي اجتماع الأنصار يُمكن أنْ يكون طمعاً أو حسداً، كما أنَّ من دواعي اجتماع المهاجرين هو البغض والحقد لأمير المؤمنين (عليه السلام) لِـمَا قتل من أرحامهم وأقاربهم في حروب الإسلام، مضافاً إلى الطمع والحسد.
روى الصدوق (طاب ثراه) بسنده عن علي بن الحسن بن علي بن فضَّال، عن أبيه، عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: سألته عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، كيف مال الناس عنه إلى غيره وقد عرفوا فضله وسابقته ومكانه من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟ فقال: «إنما مالوا عنه إلى غيره؛ لأنَّه كان قد قتل آبائهم وأجدادهم وأعمامهم وأخوالهم وأقربائهم المحاربين لله ولرسوله عدداً كثيراً، فكان حقدهم عليه لذلك في قلوبهم، فلم يحبُّوا أنْ يتولَّى عليهم ، ولم يكن في قلوبهم على غيره مثل ذلك؛ لأنه لم يكن له في الجهاد بين يدي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) مثل ما كان له، فلذلك عدلوا عنه ومالوا إلى غيره» [علل الشرائع ج1ص١٤٦، عيون أخبار الرضا ج2 ص87].
الأمر الثالث: لا يخفى أنَّ أكثر الأنصار كانوا يصرِّون على أنَّ الأحقَّ بالبيعة والخلافة بعد النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهذا يعني معرفتهم الكاملة بأحقيته (عليه السلام) التي أشار إليها النبيّ الأعظم في أكثر من موطن.
قال الطبريُّ: (...فاجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة، فبلغ ذلك أبا بكر، فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح، فقال: ما هذا؟ فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: منا الأمراء ومنكم الوزراء. ثمَّ قال أبو بكر: إني قد رضيتُ لكم أحد هذين الرجلين: عمر أو أبا عبيدة، إنَّ النبيّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) جاءه قوم فقالوا: ابعث معنا أميناً، فقال: لأبعثن معكم أميناً حق أمين، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح، وأنا أرضى لكم أبا عبيدة، فقام عمر، فقال: أيكم تطيب نفسه أنْ يخلف قدمين قدَّمهما النبيّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)! فبايعه عمر وبايعه الناس، فقالت الأنصار ـ أو بعض الأنصار ـ لا نبايع إلَّا علياً) [تاريخ الطبري ج3 ص201، الكامل في التاريخ ج2 ص187].
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ الأنصار لم يكونوا جاهلين بوصية النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام) وأنه هو الإمام والخليفة بعده، كما هو الحال بالنسبة إلى المهاجرين، ولكنَّ الحسد والبغض والتخاذل أدَّى لتقديم من لا يستحق على المستحق، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العلي العظيم .. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق