هل يراد بقوله تعالى: (وأولي الأمر منكم) هو الحكام أم الأئمة؟

السؤال: من ضلال الرافضة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 59] أنهم فسَّروا ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾ بالأئمَّة، والحال أنَّه ضلال، فإنَّ المراد منه هو (الحكَّام)؛ لأنَّ مجيء ﴿مِنكُمْ﴾ في الآية دليلٌ على أنَّ أولي الأمر هم من المؤمنين المأمورين بإطاعة الله وبطاعة رسوله وبطاعة أولي الأمر الذين هم من عامة المؤمنين، وواضح أنها تعني الحكَّام؛ ولأنَّ الآية تقول في حال التنازع بين المؤمنين وبين الحكَّام عليهم أنْ يردُّوا ما يتنازعون فيه إلى الله والرسول فقط. فلو كان تنازع بين المؤمنين والمؤمنين لوجب عليهم طاعة الحكَّام في حكمهم فيما تنازعوا فيه بنص الآية. ولأنَّ الآية لم تقل (واطيعوا الرسول والأئمَّة)! فهل الله سبحانه وتعالى يتكلَّم بمفهومٍ مغاير لما يريده؟ مما يدلُّ ذلك كله على أنَّ المراد من قوله ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾ هو الحكَّام.

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

الملاحَظ في هذا السؤال أنه يتضمَّن ثلاثة نقاطٍ أساسية أدَّت إلى تفسير الآية المباركة بالحكَّام دون الأئمَّة (عليهم السلام)؛ ولذلك ينبغي الكلام في ثلاثة أمور، فنقول ومن الله تعالى التوفيق.

الأمر الأوَّل: إنَّ قوله: (مجيء منكم في الآية دليلٌ على أنَّ أولي الأمر هم من المؤمنين المأمورين بإطاعة الله، وبطاعة رسوله، وبطاعة أولي الأمر الذين هم من عامة المؤمنين) واضح الوهن، إذْ لو كان أولوا الأمر من المؤمنين المأمورين بطاعة أولي الأمر للزم على أولي الأمر إطاعة أولي الأمر؟!

وعليه، فلابدَّ أنْ يكون المراد من (أولي الأمر) في الآية غير عامَّة المؤمنين المأمورين بإطاعة الله ورسوله وأولي الأمر، فإنَّ أولي الأمر وإنْ كانوا من المؤمنين ـ بلا ريب ـ ولكنَّ المأمورين بإطاعة الله ورسوله وأولي الأمر غيرهم من المؤمنين، وإلَّا فلا معنى لإطاعة أولي الأمر من قبل أنفسهم!

الأمر الثاني: وأمَّا قوله: (ولأنَّ الآية تقول في حال التنازع بين المؤمنين وبين الحكَّام عليهم أنْ يردُّوا ما يتنازعون فيه إلى الله والرسول فقط. فلو كان تنازع بين المؤمنين والمؤمنين لوجب عليهم طاعة الحكَّام في حكمهم فيما تنازعوا فيه بنص الآية) فهو قولٌ بدون دليل، إذْ ما هو الدليل على تفسيره لأولي الأمر في الآية بالحكَّام؟!

بل الصحيح أنْ يُقال: إنه في حال التنازع بين المؤمنين وأولي الأمر ـ وليس الحكَّام ـ عليهم أنْ يردُّوا ما يتنازعون فيه إلى الله والرسول فقط؛ لأنَّ الخلاف إذا كان في أولي الأمر فلا معنى لأنْ نرجع إلى أولي الأمر أنفسهم، وإنَّما نرجع فيه إلى الله تعالى والرسول، ولو رجعنا إلى الله تعالى ورسوله لوجدناهما يشيران إلى أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) بشكلٍ واضحٍ، مضافاً إلى أنَّهم القدر المتَّفق عليه عند جميع المسلمين بخلاف غيرهم الذين قبل بهم البعض ورفضهم الآخر.

الأمر الثالث: وأمَّا قوله: (إنَّ الآية لم تقل (واطيعوا الرسول والأئمَّة)! فهل الله سبحانه وتعالى يتكلَّم بمفهومٍ مغاير لما يريده) فهو أعجب من السابق، إذْ قد يُعبِّر القرآن الكريم عن الحقيقة الواحدة بأكثر من لفظٍ وتعبير؛ ولذلك، فقوله: (أولي الأمر) وأنّه تعالى أراد بهم أئمَّة أهل البيت (ع) ليس مستغرباً أو مستهجناً ما دمنا نجزم بكونه نابعاً عن حكمةٍ وغرضٍ صحيح، لكونه تعالى منزَّهاً عن العبث وغير الحكمة، كما هو واضح.

دلالة الآية المباركة:

وعلى أيِّ حال، فإنَّ ظاهر الآية المباركة أنَّها تأمر المسلمين كافَّة بإطاعة الله تعالى إطاعة مطلقة، ومن ثمَّ تأمر بإطاعة الرسول وأولي الأمر كذلك، ولازم ذلك عصمة الرسول وأولي الأمر وإلَّا لكان الأمر بطاعتهم ـ مع فرض عدم العصمة ـ أمراً بإطاعة غير المعصوم، وهو باطل لاحتمال صدور الخطأ منه، بل الخطيئة.

ومنه يتَّضح بطلان ما ذكر من أنَّ المراد من قوله (أولي الأمر) هو الحكَّام، وذلك لعدم عصمتهم بالاتفاق، فهل يُعقل بأنْ يأمر الله تعالى بإطاعة الحكام ـ كيزيد بن معاوية ـ إطاعة مطلقة حتَّى في موارد فسقهم ومجونهم؟!

وبناءً على هذا، فإنَّ الآية المباركة تقرر عصمة (أولي الأمر) عصمةً مطلقةً، وتوجب فرض طاعتهم وعدم مخالفتهم، وقد فهم هذا المعنى من الآية الكريمة أكابر المفسِّرين عندنا وعند العامَّة على حدٍّ سواء.

1ـ قال الشيخ الطوسيُّ (طاب ثراه): (هذا خِطابٌ من الله تعالى للمؤمنين يأمرهم أنْ يطيعوه ويطيعوا رسوله ويطيعوا أولي الأمر منهم، فالطاعة هي امتثال الأمر، فطاعة الله هي امتثال أوامره والانتهاء عن نواهيه، وطاعة الرسول كذلك امتثال أوامره، وطاعة الرسول أيضاً هي طاعة الله، لأنه تعالى أمر بطاعة رسوله، فمن أطاع الرسول، فقد أطاع الله ... إلى قوله (طاب ثراه): فأمَّا أولو الأمر، فللمفسِّرين فيه تأويلان: أحدهما: قال أبو هريرة، وفي رواية عن ابن عبَّاس، وميمون بن مهران، والسدي، والجبائي، والبلخي، والطبري: إنهم الأُمراء. الثاني: قال جابر بن عبد الله، وفي رواية أُخرى عن ابن عبَّاس، ومجاهد، والحسن، وعطاء، وأبي العالية: إنهم العلماء. وروى أصحابنا عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) أنهم الأئمَّة من آل محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) فلذلك أوجب الله تعالى طاعتهم بالإطلاق، كما أوجب طاعة رسوله وطاعة نفسه كذلك. ولا يجوز إيجاب طاعة أحد مطلقاً إلَّا من كان معصوماً مأموناً منه السهو والغلط، وليس ذلك بحاصل في الأُمراء، ولا العلماء، وإنما هو واجبٌ في الأئمَّة الذين دلَّت الأدلَّة على عصمتهم وطهارتهم) [التبيان في تفسير القرآن ج3 ص235].

2ـ وقريبٌ من ذلك ما ذكره المفسِّر الشيخ الطبرسيُّ (طاب ثراه) في تفسيره [مجمع البيان ج3 ص114]، فراجع إنْ شئت ذلك.

3ـ وقال الفخر الرازيُّ: (إنَّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابدَّ وأنْ يكون معصوماً عن الخطأ، إذْ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهي عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وإنه محال، فثبت أنَّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنَّ كلَّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أنْ يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنَّ أولي الأمر المذكور في هذه الآية لابدَّ وأنْ يكون معصوماً) [تفسير الرازيّ ج10 ص112].

والمتحصَّل: أنَّ الآية لا يصح انطباقها إلَّا على من كان متَّصفاً بوصف العصمة، وهو منحصرٌ بأئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، إذْ لم يدَّع ذلك غيرهم من المسلمين أو الحكَّام أو غيرهم، كما هو واضح وبيِّن.

تفسير الروايات للآية:

هذا، وقد أكَّدت الروايات الشريفة هذه الحقيقة بشكلٍ واضح، ممّا يجعل هذا الفهم المذكور أكثر صواباً وقرباً للمراد الإلهيّ، منها:

1ـ روى الشيخ الكلينيّ (طاب ثراه) بسنده عن بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]، قال: «إيانا عنى، أنْ يؤدِّي الأوَّل إلى الإمام الذي بعده الكتب والعلم السلاح، ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ الذي في أيديكم، ثمَّ قال للناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ إيانا عنى خاصة، أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا» [الكافي ج1 ص276].

2ـ وروى الشيخان المفيد والطوسيّ (طاب ثراهما) بالإسناد عن هشام بن حسَّان قال: سمعتُ أبا محمَّد الحسن بن علي (عليهما السلام) يخطب الناس بعد البيعة له بالأمر، فقال: «نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسوله الأقربون، وأهل بيته الطيبون الطاهرون، وأحد الثقلين اللذين خلفهما رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في أمته، والتالي كتاب الله فيه تفصيل كلِّ شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالمعوَّل علينا في تفسيره لا نتظنَّى تأويله بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا فإنَّ طاعتنا مفروضة، إذْ كانت بطاعة الله (عزَّ وجلَّ) ورسوله مقرونة، قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ...الآية» [أمالي المفيد ص348، أمالي الطوسي ص121].

3ـ وروى الحاكم الحسكانيُّ ـ من العامَّة ـ بسنده عن سُليم بن قيس الهلالي عن علي قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «شركائي الذين قرنهم الله بنفسه وبي وأنزل فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الآية، فإنْ خفتم تنازعا في أمر فارجعوه إلى الله والرسول وأولي الأمر. قلتُ: يا نبي الله، من هم؟ قال: أنت أوَّلهم» [شواهد التنزيل ج1 ص189].

4ـ وروى القندوزيُّ الحنفيُّ ـ من العامَّة أيضاً ـ عن الحسن بن صالح، عن جعفر الصادق (عليه السلام) في هذه الآية قال: «أولو الأمر، هم الأئمَّة من أهل البيت (عليه السلام)» [ينابيع المودَّة ج1 ص341]. إلى غيرها من الروايات الواردة في هذا المعنى.

والنتيجة النهائية من كلِّ ذلك، أنَّ الظاهر من ألفاظ الآية المباركة هو القول بعصمة (أولي الأمر) الأمر الذي ينحصر في أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)؛ لعدم ثبوته لواحد من المسلمين غيرهم، مضافاً إلى الروايات المصرِّحة بذلك كما بينا .. والحمد لله ربِّ العالمين.