هل الصحابة معصومون من الكذب؟

السؤال: استشهد بعض المحاورين السنة بكلامٍ لابن تيمية يقول فيه: (إنَّ الله عصم أصحاب رسوله (صلَّى الله عليه وآله) عن الكذب، فلا يُعرف من الصحابة من كان يتعمَّد الكذب على رسول الله) وهذا من تقواهم، ويبنى عليه أصولٌّ عقائديَّةٌ تقوِّي مذهب العامة، هل يُمكن نفي هذا الأمر؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

يُشير السائل الكريم إلى ما ورد في كلمات ابن تيمية الحرَّانيّ في ردِّه على الإخنائيّ حيث قال: (...ولما كان أصحابه أعلم الناس بدينه، وأطوعهم له، لم يظهر فيهم من البدع ما ظهر فيمن بعدهم، لا في أمر القبور ولا غيرها، فلا يُعرف من الصحابة من كان يتعمَّد الكذب على رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) وإنْ كان فيهم من له ذنوب، لكنَّ هذا الباب مما عصمهم الله فيه من تعمُّد الكذب على نبيهم، وكذلك البدع الظاهرة المشهورة، من بدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة، لم يعرف عن أحد من الصحابة شيءٌ من ذلك) [الرد على الإخنائي ص287].

إذا بان هذا فنقول: إنَّ ما قاله ابن تيمية من (أنَّ الله تعالى عصمهم من الكذب على رسول الله) مجرَّدُ دعوى من دون دليل، فإنْ كان الصحابة يرتكبون الذنوب – كما صرَّح بنفسه - فما هو الدليل على عدم جواز صدور خصوص الكذب منهم على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟ فهل يوجد مانع عقلي أو شرعي من ارتكابهم الكذب؟

وعليه، فما أسَّسه بقوله المتقدِّم هو مجرَّدُ دعوى لا برهان عليها، بل الواقع يشهد بضدِّها، وذلك لما ثبت من كذب الصحابة في أكثر من مجال، وللتدليل على صدق دعوانا نعقد الكلام في ذكر أمور:

الأمر الأوَّل: التحذير من الكذب على النبيِّ.

لقد ورد في تراث الفريقين تحذير النبي الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) لأصحابه وغيرهم من تعمُّد الكذب عليه، مما يُشير إلى وجود من يفعل ذلك جزماً وإلَّا لكان تحذيره لغواً حاشاه، كما هو واضح.

من ذلك:

1ـ روى أبو داوود الطيالسيُّ بسنده عن عامر بن سعد، قال: (سمعتُ عثمان بن عفان، يقول: والله ما يمنعني أنْ أحدِّث عن رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) أني لا أكون أوعاهم لحديثه، ولكنْ أشهدُ أني سمعته يقول: من قال عليَّ ما لم أقل ‌فليتبوأ ‌مقعده ‌من ‌النار) [مسند أبي داوود ج1 ص79].

2ـ وروى عبد الرزاق بن همَّام الصنعانيّ بسنده عن أبي كبشة، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: قال: رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): (بلِّغوا عني ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، فمن كذب عليَّ كذبة فليتبوأ مقعده من النار) [المصنف ج6 ص198].

3ـ وروى أبو بكر الحميدي بسنده عن أبي هريرة (أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): قال: من كذب عليَّ متعمِّداً، ‌فليتبوأ ‌مقعده ‌من ‌النار) [مسند الحميديّ ج2 ص293].

4ـ وروى الشريف الرضي في النهج عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال في خطبة له: (ولقد كذب على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) على عهده حتَّى قام خطيباً فقال: من كذب عليَّ متعمِّداً فليتبوأ مقعده من النار) [نهج البلاغة ج2 ص188]. إلى غيرها من الروايات الواردة في هذه المعنى.

الأمر الثاني: نماذج من كذب الصحابة

ورد في عددٍ من الروايات أنَّ جماعة من الصحابة كانوا يصرِّحون بالكذب بشكل واضح وجلي، نذكر بعض الأمثلة على ذلك.

1ـ عائشة وحفصة.

روى البخاري في الصحيح عن عائشة قالت: (إنَّ النبيَّ كان يمكث عند زينب بنت جحش، ويشرب عندها عسلاً، فتواصيتُ أنا وحفصة، أنْ أيَّتنا دخل عليها النبيُّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) فلتقلْ: إني أجدُ فيك ريح ‌مغافير، أكلتَ ‌مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، فقال: بل شربتُ عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود له، فنزلتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ ـ إلى ـ إِنْ تَتُوبَا إِلَى الله﴾ لعائشة وحفصة) [صحيح البخاري ج5 ص2016]. فإنَّ قولهما بأنَّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) قد أكل من المغافير مع علمهما بأنه لم يأكلها، وإنما تناول العسل يدلُّ بوضوح على تعمُّدهما للكذب.

وروى ابن سعد بسنده عن حمزة بن أبي أسيد الساعدي، عن أبيه ـ وكان بدرياً ـ قال: (تزوج رسول الله أسماء بنت النعمان الجونية فأرسلني فجئتُ بها فقالت حفصة لعائشة أو عائشة لحفصة: اخضبيها أنت وأنا أمشطها ففعلن، ثمَّ قالت لها إحداهما: إنَّ النبي (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) يُعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أنْ تقول: أعوذ بالله منك، فلما دخلتْ عليه وأغلق الباب وأرخى الستر مدَّ يده إليها فقالت: أعوذ بالله منك، فتال بكمِّه على وجهه فاستتر به، وقال: عذت معاذاً ثلاث مرَّات) [الطبقات الكبرى ج8 ص145، وانظر: فتح الباري لابن حجر ج9 ص359]. فالحديث يُشير إلى كذب إحداهن بأنَّ رسول الله يحب الاستعاذة بالله منه.

2ـ أنس بن مالك.

روى الحاكم النيسابوريُّ بسندٍ صحيح عن انس بن مالك قال: (كنتُ أخدم رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، فقدِّم لرسول الله فرخ مشوي فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، قال: فقلت: اللهم اجعله رجلاً من الأنصار، فجاء عليٌّ (رضي الله عنه)، فقلت: إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) على حاجة، ثمَّ جاء فقلت: إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) على حاجة، ثمَّ جاء، فقال رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): افتح، فدخل فقال رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): ما حبسك عليَّ؟ فقال: إنَّ هذه آخر ثلاث كرَّات يردَّني أنس، يزعم أنك على حاجة...) [المستدرك ج3 ص130]. فالحديث يُشير بوضوحٍ إلى أنَّ أنس بن مالك كان يكذب على أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله أنَّ رسول الله كان على حاجة.

3ـ المغيرة بن شعبة.

روى البيهقيُّ عن ابن إسحاق، قال: (كان المغيرة بن شعبة يدَّعي، قال: أخذتُ خاتمي فألقيته في قبر رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، وقلت حين خرج القوم: إنَّ خاتمي قد ‌سقط ‌في ‌القبر، وإنما تركته عمداً، لأمس رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، فأكون آخر الناس عهداً به) [دلائل النبوة ج7 ص257]. وهو صريح في كذب المغيرة بن شعبة، بحجة كونه آخر الناس عهداً بالنبي (صلَّى الله عليه وآله).

4ـ مروان ومعاوية.

وروى عز الدين ابن الأثير، فقال: (ثمَّ كتب معاوية بعد ذلك إلى مروان بن الحكم: إني قد كبرت سني، ودق عظمي، وخشيت الاختلاف على الأمَّة بعدي، وقد رأيتُ أنْ أتخيَّر لهم من يقوم بعدي، وكرهتُ أنْ أقطع أمراً دون مشورة من عندك، فاعرض ذلك عليهم وأعلمني بالذي يردُّون عليك. فقام مروان في الناس فأخبرهم به، فقال الناس: أصاب ووفق ... إلى قول مروان: وقد استخلف ابنه يزيد بعده. فقام عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: كذبت والله يا مروان وكذب معاوية، ما الخيار أردتما لأمَّة محمَّد، ولكنكم تريدون أنْ تجعلوها هرقلية كلَّما مات هرقل قام هرقل. فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا﴾ [الأحقاف: 17] الآية. فسمعتْ عائشة مقالته فقامت من وراء الحجاب وقالت: يا مروان يا مروان، فأنصت مروان وأقبل مروان بوجهه: فقالت: أنت القائل لعبد الرحمن إنه نزل فيه القرآن؟ كذبت) [الكامل في التاريخ ج3 ص99]. وهو واضحٌ في تكذيب عبد الرحمن بن أبي بكر واخته عائشة إلى معاوية ومروان في تنصيب يزيد على الأمَّة.

الأمر الثالث: نماذج من كذبهم على النبيّ في الأحكام.

الوارد في بعض الروايات وجود من تعمَّد الكذب على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) بالفعل فصار مصداقاً لقول النبيّ المتقدِّم.

1ـ أبو هريرة الدوسيُّ.

روى ابن عبد البر بسنده عن حبيب ابن أبي ثابت عن طاووس قال: (كنتُ جالساً عند ابن عُمَر فأتاه رجل فقال: أنَّ أبا هريرة يقول: أنَّ الوتر ليس بحتم فخذوا منه ودعوا، فقال ابن عمر: كذب أبو هريرة ...) [جامع بيان العلم وفضله ج2 ص154]. وهو واضح في تكذيب عبد الله بن عمر لأبي هريرة في مسألة الوتر.

وروى أيضاً بسنده عن أبي حسان (أنَّ رجلين دخلاً على عائشة، وقالا: إنَّ أبا هريرة يحدِّث أنَّ النبيَّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) قال: إنما الطيرة في المرأة، والدار، والدابة، فطارتْ ‌شقة ‌منها ‌في ‌السماء، ‌وشقة ‌في ‌الأرض، ثمَّ قالتْ: كذب) [التمهيد ج6 ص436]. وهو صريح في تكذيب عائشة له.

وروى ابن سعد بسنده عن زهير بن معاوية، عن الأعمش قال: (قال أبو هريرة: يزعم عليٌّ أني أكذب على رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) قال: ثمَّ يضرب صلعته) [الطبقات الكبرى ج5 ص239]. وهو واضح في اتهام أمير المؤمنين (عليه السلام) لأبي هريرة في الكذب على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).

وقال أبو جعفر الإسكافي: (وأبو هريرة مدخولٌ عند شيوخنا غير مرضى الرواية، ضربه عمر بالدرَّة، وقال: قد أكثرت من الرواية وأحر بك أنْ تكون كاذباً على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)) [شرح نهج البلاغة ج4 ص67]. وهو واضحٌ في تكذيب عمر بن الخطَّاب لأبي هريرة.

2ـ عبد الله بن عمر العدويّ.

روى ابن عبد البر بسنده عن حبيب ابن أبي ثابت عن طاووس، وفيه: (...وكذَّبت عائشةُ ابن عمر في عدد عُمْر رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، وفي أنَّ الميِّت يعذَّب ببكاء أهله عليه. وقد ذكرنا ذلك في كتاب التمهيد، وقد كان بين أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) وجلَّة العلماء عند الغضب كلام هو أكثر من هذا، ولكنَّ أهل الفهم والعلم والميز لا يلتفتون إلى ذلك، لأنهم بشر يغضبون ويرضون، والقول في الرضا غير القول في الغضب) [جامع بيان العلم وفضله ج2 ص155]. وهو صريحٌ في تكذيب عائشة لعبد الله بن عمر بن الخطَّاب في أكثر من مسألة.

وأمَّا اعتذاره عنهم بأنَّهم بشرٌ يغضبون ويرضون فهو يفيد ثبوت هذه المضمون بشكلٍ واضحٍ عنده، كما يفيد عدم تورُّعهم في أمور الدين؛ ولذلك يكذِّب بعضهم بعضاً لأجل نائرة الغضب التي تعتريهم، فهو للطعن أقرب من الاعتذار، كما هو واضح.

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، هي بطلان ما قيل من أنَّ الصحابة معصومون من الكذب على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، كما صار واضحاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.