هل قوله تعالى {بأيدٍ} يدل على تعدد الفاعلين في خلق السماء؟

السؤال: يشير البعض إلى أنَّ آية {والسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} دالّة على أنّ البناء تم من قبل مجموعةٍ فاعلةٍ، بدليل لو كان المقصود بعبارة (أيد) هي القدرة لقال: إنّا بنينا السماء بيد؛ لأنَّ القدرة لا تتعدد؛ لأننا لا يجوز أن نقول: إن الله خلق بقدراته، فدل أن (الأيد) عبارة عن مجموعة فاعلة بإذن الله.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

هذا الفهم الذي يطرحه البعض –كما يشير السائل– يقوم على تصورٍ خاطئٍ لمعنى كلمة (الأيد) في اللغة، فمن الناحية اللغويَّة كلمة الأيد مصدر بمعنى القوة والقدرة.

قال ابن فارس: («أيد»: الهمزة والياء والدال، أصل واحد، يدل على القوة والحفظ. يقال: أيده الله، أي: قوّاه الله. قال تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ}، فهذا معنى القوة. وأما الحفظ فالإياد كلّ حاجز الشيء يحفظه. قال ذو الرمة: دفعناه عن بيض حسان بأجرع * حوى حولها من تربه بإياد) [معجم مقاييس اللغة ج1 ص163].

وقال الرازيّ: (وأيّده: قوّاه. وما لي بفلان يدان، أي: طاقة. وقال الله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ}. قلت: قوله تعالى: {بِأَيْدٍ} أي بقوة. وهو مصدر «آد، يئيد»، إذا قوي، وليس جمعاً لـ «يد».. ولا أعرف أحداً من أئمة اللغة أو التفسير ذهب إلى ما ذهب إليه الجوهريّ من أنها جمع «يد». وقوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ}، أي: عن ذلّة واستسلام) [مختار الصحاح ج1 ص349].

وكذلك قال الزجَّاج في معاني القرآن وابن منظور في لسان العرب.

وعليه يكون المعنى: بنينا السماء بقوةٍ وقدرةٍ عظيمةٍ، وليس "بأيدٍ كثيرة"، كما يتوهم أصحاب هذا القول. فلفظة الأيد ليست جمع (يد)، وإنما مصدر «آد يئيد» إذا قوي، وليس جمعاً ليد كما في مختار الصحاح.

كما أن استعمال ضمير الجمع في قوله ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ هو جمع التعظيم الذي يليق بالمقام الإلهيّ، وليس جمع الكثرة، وهذا أسلوبٌ عربيٌّ معروف، تقول الملوك: (إنّا أمرنا) و(إنّا قضينا)، ولا يفهم من ذلك أن هناك عدة ملوك، بل ملك واحد يتكلم بصيغة الجمع تعظيماً لشأنه.

وعليه، فإن القول بأن هناك مجموعة فاعلة قامت بالبناء، قول باطل يخالف أصل التوحيد في الخلق؛ لأنَّ القرآن صريحٌ في أن الخلق فعل الله وحده، لا يشاركه فيه أحد. قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62]، وقال: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر: 3].

وإن وُجدت وسائط أو ملائكة تنفّذ بعض الأوامر، فهي لا تُعد فاعلة بالاستقلال، وإنما منفّذة لمشيئته، كما قال سبحانه: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} [مريم: 64]. فليس في الآية ما يشير إلى فاعلين متعددين، بل على العكس هي من آيات إثبات القدرة الإلهيّة المطلقة.

وفي المحصّلة، الآية لا تدل على تعدد الفاعلين؛ لأنَّ الأيد في لغة العرب بمعنى القوة لا جمع يد، والضمير الجمعي في قوله ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ هو جمع التعظيم لا جمع الكثرة، والقرآن كلّه شاهد بأن الخلق فعلُ الله وحده لا شريك له، فالمعنى: بنينا السماء بقوةٍ وقدرةٍ عظيمةٍ منَّا