هل الإغماء ينافي عصمة النبي والأئمة (ع)؟

السؤال: وردت كثير من الأحاديث في كتبنا تقول: إن النبيّ (ص) والائمة (ع) تعرضوا للإغماء، ألا يخل ذلك بالعصمة؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

إنَّ العصمة في المفهوم الإمامي لا تعني أنَّ المعصوم لا يمرض ولا يتعب ولا يتأثر جسدياً، بل تعني أنَّه منزّهٌ عن الذنب والخطأ والسهو. فالعصمة صفةٌ روحيةٌ وعقليةٌ، تتعلق بالإرادة والاختيار، لا بسلامة البدن من التأثر. وقد نصّ علماؤنا على أنَّ الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) بشرٌ كسائر الناس في طبيعتهم الجسدية، يصيبهم الجوع والعطش والمرض والألم؛ لأنهم القدوة الواقعية للبشر، ولو كانوا مبرّئين من كل ضعفٍ جسدي لما صحّ الاقتداء بهم، ولا تحقق معنى الابتلاء الإلهي الذي يرفع درجاتهم.

والإغماء هو فقدان مفاجئ للوعي، فتحصل غلبة على الحواس الظاهرة والباطنة. وقد عدّ الفقهاء الإغماء أحد الموارد التي يُسلب فيها التكليف كالجنون؛ لفقدان شرط (العقل) المصحِّح للتكليف. فالإغماء والجنون مشتركان في فقدان العقل. وفرّق بعضهم بينهما بأنّ العقل في الإغماء يكون مغلوباً، وفي الجنون يكون مسلوباً [ينظر: عمدة القاري ج3 ص86].

ومن الواضح أنّ الإغماء الحقيقي لا يصيب المعصومين (عليهم السلام)؛ إذ إن وزانه وزان الجنون في فقدان العقل، ولا يمكن أنْ يكون المعصوم – نبيّاً أو إماماً – غير مكلّفٍ في حالٍ، بل إنّ النوم – الذي هو أخفّ من الإغماء بمراحل – لا يعرض عليهم حقيقة؛ إذ تنام عيونهم دون قلوبهم، فإنْ كان النوم الحقيقي لا يعرض عليهم فكيف بالإغماء الحقيقي؟

ومن ذلك يتبيّن: أنّ ما ورد في بعض الروايات من تعرض النبيّ والأئمة (عليهم السلام) للإغماء، فلا مجال لحمله على الإغماء الحقيقيّ – أي الغلبة الحاصلة على حواسهم الظاهرة والباطنة –، بل هو حالة تشبه الإغماء في فقدان الحواس الظاهرة فحسب، وأمّا حواسهم الباطنة – أي العقل – فهو باقٍ على حاله، كما هو الحال في نسبة النوم لهم (عليهم السلام)، فإنّها تُنسَب لهم لنوم عيونهم لا نوم قلوبهم.

فقد ورد في خبرٍ: «ولمّا حضر عليّ بن الحسين (ع) الوفاة أُغمي عليه» [الكافي ج3 ص165]، قال العلامة المجلسيّ: (قوله: «أغمي عليه»، قال الشهيد الثاني: لا يريد به حقيقة الإغماء، بل مجازه، بمعنى أنّه قد حصل له ما أوجب عند الحاضرين أنْ يصفوه بذلك، من دون أن يكون قد حصل له حقيقة؛ لأنّ المعصوم ما دام حيّاً لا يجوز أن يخرج من التكليف) [مرآة العقول ج14 ص2].

وقال العلّامة السيوطيّ – وهو من علماء العامّة –: (ونبّه السُبكيّ على أنّ الإغماء الذي يحصل لهم [يعني للأنبياء] ليس كالإغماء الذي يحصل لآحاد الناس، وإنما هو غلبة الأوجاع للحواس الظاهرة فقط دون القلب. قال: لأنّه قد ورد أنّه إنّما تنام أعينهم دون قلوبهم، فإذا حُفظَت قلوبهم وعُصِمَت من النوم - الذي هو أخفّ من الإغماء -، فمن الإغماء بطريقٍ الأولى، انتهى. وهو نفيسٌ جدّاً) [كفاية الطالب ج2 ص257].

وعليه، يمكن تفسير ما يُنسب للمعصومين (عليهم السلام) بتفسيرين لا يقدحان بالعصمة:

1ـ فقد يكون الإغماء نتيجة حالةٍ بدنيةٍ طبيعيَّة كما تحدثت بعض الروايات عن مرض النبيّ (ص) وكيف كان يُغشى عليه، فعن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، عن أبيه، عن آبائه قال: «دخل عليٌّ (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه وقد أُغمي عليه، ورأسه في حجر جبرئيل، وجبرئيل في صورة دحية الكلبيّ...» [تفسير العياشيّ ج2 ص70]، وهذه الحالة لا تمسّ العصمة؛ لأن الإغماء هنا شبيه بالنوم، والمعصوم تنام عينه ولا ينام قلبه، كما ورد في النصوص.

2ـ وقد يكون الإغماء من نوعٍ آخر، مرتبطٍ بحالةٍ روحيةٍ خاصة، كتلك التي ترافق مقام الوحي أو شهود الغيب. فالقرآن نفسه وصف حال النبيّ (ص) عند نزول الوحي بأنه ثقيل، حتى كانت الدابة تئِنّ من ثقله، قال تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5]. فكان النبيّ إذا نزل عليه الوحي أحياناً يعرق جبينه، أو يُغشى عليه من شدّة ما يفيض عليه من أنوار الوحي. وهذه الحالة ليست دليلاً على عجز أو نقص، بل على فرط القرب من الله، الذي تعجز القوى البشرية عن تحمّله في بعض اللحظات. وقد أشار القرآن إلى هذه الحالة في قوله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 43]، فالإفاقة هنا ليست من غيبوبةٍ عقلية، بل من حالٍ روحانيٍّ عظيمٍ يغلب على الإنسان حين يشهد عظمة الله تعالى.

ومن هذا الباب: ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه أُغمي عليه في صلاته من خشية الله، وعن زين العابدين (عليه السلام) أنه كان إذا توضأ اصفرّ وجهه من هيبة الوقوف بين يدي الله. فهل هذا ضعف؟ أم هو كمال الوعي بالله حتى يغيب الإنسان عن نفسه؟

وفي المحصلة، الإغماء الذي ورد في الروايات لا يمسّ مقام العصمة في شيء؛ لأنَّه لا علاقة له بالذنب أو الغفلة أو الخلل في التبليغ، بل هو إمّا من آثار ضعف البدن عند المرض وحاله كحال نوم المعصوم، وإما من فيضٍ إلهيٍّ عظيمٍ، أو من حالات الخوف والخشوع الشديد في مقام القرب من الله، والذي يُغشى عليه من هيبة الله أعظم وعياً بعظمته من الذي لا يتأثر. فالأنبياء والأئمة (عليهم السلام) لم تُغِيبهم الغشية عن الله، بل غيّبتهم في الله، وهذا مقامٌ عظيمٌ ودرجةٌ رفيعةٌ.