هل كان السيد المرتضى يقول بالقياس الشرعيّ؟

السؤال: يقال: إن أول من قال بالقياس واسماه القياس الشرعيّ عند الشيعة هو السيد المرتضى الذي أطلق عليه تسمية القياس الشرعيّ، وقبل أن يتبنَّاه تبرء منه شرعاً وقبله عقلاً قائلاً: (إنَّ القياس محظورٌ في الشريعة استعماله؛ لأنَّ العبادة لم ترد به، وإن كان العقل مجوّزاً ورود العبادة باستعماله) [الذريعة ج2 ص675]، وكما تلاحظون تناقض، محظورٌ استعماله في الشريعة والعقل يجوز استعماله؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم –أيدك الله- أنَّ القياس في اصطلاح الأصوليين هو عبارة عن تعدية الحكم من موضوع إلى موضوعٍٍ آخر بسبب مشاركته له في علّة ذلك الحكم؛ فيطلق على الموضوع الأول الأصل والمقيس عليه وعلى الثاني الفرع والمقيس، وعلى الجهة التي بها يحكم بتعدية الحكم الملاك والعلة المشتركة، وهذا القياس ينقسم على قسمين:

الأول: هو القياس العقليّ، ما استعمل في أصول الديانات.

والثاني: هو القياس الشرعيّ، ما استعمل في فروع الديانات.

وقد وقع كلام عند علماء المسلمين في حجية القياس في استنباط الأحكام الشرعيّة على أقوالٍ عديدة:

منها: إنَّ التعبّد به مستحيل عقلاً.

ومنها: إنَّ التعبّد بها غير مستحيلٍ عقلاً ولكنَّه منهيٌّ عنه شرعاً.

ومنها: إنَّ التعبَّد بها غير مستحيلٍ عقلاً ولا منهياً عنه شرعاً. 

والقولان الأولان يفيدان عدم حجيَّة القياس وعدم جواز استعماله في استنباط الأحكام الشرعيّة، بخلاف القول الثالث فإنه يفيد جواز استعماله.

والشيعة الإمامية قاطبة يذهبون إلى عدم حجية القياس في استنباط الأحكام الشرعيّة، قال السيد المرتضى: (وقد علم كلّ موافقٍ ومخالفٍ، الشيعة الامامية تبطل القياس في الشريعة من حيث لا يؤدّي إلى علم) [رسائل المرتضى ج1 ص211]. وقد وردت أحاديث كثيرةٌ عن الأئمة (عليهم السلام) في النهي عن العمل بالقياس، أفرد لها الحر العاملي باباً في [وسائل الشيعة ج27 ص41] بعنوان: (باب عدم جواز القضاء والحكم بالمقاييس.. في نفس الأحكام الشرعيّة).

ولكنهم بين قائلٍ بأن التعبّد به مستحيل عقلاً، وبين قائلٍ بأنّ التعبّد به غير مستحيلٍ عقلاً ولكنَّه منهيٌّ عنه شرعاً، وبالنتيجة الجميع يذهب إلى عدم حجيته.

والسيد المرتضى من أصحاب القول الثاني، وهو أنّ التعبد بالقياس ليس مستحيلاً عقلاً، ولكنه ممنوعٌ عنه شرعاً، أي: لم يأذن الشارع باستعماله، فهو غير حجّة. 

وعبارته واضحة الدلالة على ذلك، فإنّه قال: (والذي نذهب إليه: أنّ القياس محظورٌ في الشريعة استعماله؛ لأنّ العبادة لم ترد به، وإنْ كان العقل مجوزاً ورود العبادة باستعماله) [الذريعة ج2 ص675].

وتبعه على هذا المسلك: تلميذه الشيخ الطوسيُّ، فإنّه قال: (والذي نذهب إليه: وهو الذي اختاره المرتضى (رحمه الله) في كتابه في إبطال القياس: أنّ القياس محظور استعماله في الشريعة؛ لأنّ العبادة لم تأتِ به، وهو ممّا لو كان جائزاً في العقل مفتقر في صحة استعماله في الشرع إلى السمع القاطع للعذر) [العدة ج٢ ص٦٥٢].

وبما تقدّم يظهر ما في السؤال من أغلاطٍ واشتباهات:

فالسيد المرتضى ليس قائلاً بحجية القياس، فضلا عن أن يكون أول قائلٍ به. وأما سماه بـ(القياس الشرعيّ) فيريد به ما يقابل القياس العقلي، لا أنّه قياسٌ مشروع. 

وأما قبوله عقلاً بقوله: (وإن كان العقل مجوزا..) فيعني: أن التعبد به ليس مستحيلاً من جهة العقل، فشأنه شأن غيره من الحجج التي وقع الكلام في حجيتها في علم الأصول؛ إذ كونها جائزة عقلاً لا يلزمه جواز العمل به واستعماله في استنباط الأحكام الشرعيّة، بل يتوقف جواز استعماله على قيام الدليل على ذلك، والقياس لم يقم الدليل على جواز استعماله، بل قام الدليل على المنع عنه. 

وبهذا يتبيَّن أنَّه لا يوجد أيُّ تناقضٍ بين كونه محظوراً في الشريعة وبين تجويز العقل استعماله؛ فإنّ العقل يجوّز استعماله يعني أنه ليس مستحيلاً ولا مانع عقلي منه، كما أنَّ العقل لا يرى مانعاً من حجية أخبار الآحاد، ولكن الكلام كلّه حينئذٍ في أنّه هل قام الدليل على حجيته شرعاً، أي يجوز الاستناد لأخبار الآحاد لاستنباط الأحكام أو لا، وهكذا في القياس فإنّه وإنْ لم يكن التعبّد به مستحيلاً عند العقل فهل دلّ الدليل على جواز استعماله في الشرع أو لا؟ يقول السيد: القياس محظور في الشرع.

نكتفي بهذا القدر والحمد لله رب العالمين.