قدم العالم وشبهة الدهريين من منظور حداثي وعلمي
السؤال: الكون لم يُخلق في لحظةٍ زمنيَّةٍ معينةٍ، ولم يأتِ من العدم ولن يذهب للعدم، هو أزلي الوجود وسيبقى سرمديَ البقاء هكذا، فقط في آخر 14 مليار سنة حدث له حدث نسميه "الانفجار العظيم".. إذا كان العدم غير موجودٍ أساساً، فكيف أتى الكون من العدم؟! ببساطة، لم يأتِ من العدم بل أتى من "طاقة الفراغ" تلك التي تسبق الانفجار العظيم، كلُّ ما حدث هو أنه قبل 14 مليار عام اتخذ الكون لنفسه وضعاً جديداً، أي وضع الانفجار العظيم، والدليل على ذلك أنَّ وزن الكون الاجماليّ لا يتغير، فلو وزّنت نفسك وأنت تقف على قدميك أو على رأسك أو على خشمك، فسيظهر الرقم نفسه على شاشة الميزان، الشيء نفسه مع الكون، هو فقط يتغير من حالةٍ لأُخرى ولكن وزنه الاجمالي لا يتغير. مثلا لو أفرغت صندوق من آخر ذرة هواء فيه، فهل ما سوف يتبقى في الداخل عدم؟ الجواب لا والسبب ميكانيكا الكم؛ هناك جسيمات صغيرة ستظهر وتختفي من تلقاء نفسها كأنها رغوة وتسمى "طاقة الفراغ"، وقد تم التأكد من وجودها تجريبياً. إذن العدم بمعناه الفلسفي غير موجود بل يوجد مكانه "العدم الفيزيائي"، وهذا العدم ليس عدماً أو لا شيء، بل كما قلنا هو شيء يمكن قياسه اسمه طاقة الفراغ. إذن انسى العدم كما تعرفه فهو فكرة خيالية، وأعد ترتيب كل شيء.
الجواب:
أوّلاً: الادّعاء بأنّ الكون أزليّ لا ينسجم مع نظريّة الانفجار العظيم التي حدّدت نقطة بداية واضحة للكون قبل حوالي 13.8 مليار سنة، وهي نقطةٌ متّفقٌ عليها علمياًّ، وأكّد عليها صاحب الشبهة نفسه بقوله: (كلّ ما حدث هو أنّه قبل 14 مليار عام اتّخذ الكون لنفسه وضعاً جديداً).
فقد أشارت الدراسات العلميّة إلى أنّ الكون بدأ من حالةٍ كثيفةٍ وساخنةٍ للغاية، ومن ثمّ تمدّد وتطوّر إلى حالته الحالية.
يقول شين كارول - عالم الفيزياء النظرية في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا -: إنّ كلّ شيءٍ بدأ عند الانفجار العظيم، وهو (لحظة من الزمن وليس نقطةً في الفضاء)، على وجه التحديد إنّها اللحظة التي بدأ فيها الوقت نفسه، اللحظة التي تم حساب جميع اللحظات اللاحقة منها. [ينظر: موقع لايف ساينس].
وعليه، كيف يمكن الاستدلال بنظريّة الانفجار العظيم على أزليّة الكون والنظريّة نفسها تصرّح ببداية للكون قبل 14 مليار عام؟
وثانياً: الادّعاء بأنّ الكون سرمديٌّ ادّعاءٌ مخالفٌ لقوانين الفيزياء والحركة، وبخاصّة قوانين الديناميكيا الحراريّة، والذي يصطلح عليه قانون العشوائيّة (الإنـتـروبـيــا)، حيث يفترض بعض العلماء أنّه بمرور الوقت ومع تمدّد الكون، سيصل إلى حالة من الإنتروبي القصوى تُعرف بـ (موت الحرارة)، في هذه الحالة، يصبح الكون في حالة توازنٍ حراريٍّ، ويستحيل حدوث أيّ تغييراتٍ أو تفاعلاٍت حراريّةٍ جديدةٍ؛ لأنّ كلّ الطاقة القابلة للاستخدام تكون قد انتشرت بالكامل، فالكون وفقاً لهذا القانون لا يمكن أنْ يكون أزليّاً، ووجوده واستمراره بفضل وجود علةٍ خارجيَّةٍ هي التي تمنحه الوجود وتمنحه البقاء [هناك الكثير من المواقع العلمية التي تشرح هذا القانون يمكن مراجعتها على الانترنت، فقط يكفي كتابة "الــقــانون الـثــاني للــديناميـكا الــحرارية" أو "الإنـتـروبـيــا" على محركات البحث].
ففي مقالٍ تحت عنوان: «القانون الثاني للديناميكا الحراريّة وإثبات وجود الله»، في موقع (تهافت الإلحاد)، جاء فيه: (يقـول العالم الفيزيائيّ أينـشتاين واصفاً أهميّة هذا القانون: بأنّه القانون الأوّل لكلّ العلوم... بل هو أساس قوانين العلوم الأخرى. وينصّ هذا القانون وباختصار: أنّ أيّ نظامٍ محكمٍ التنظيم.. لو ترك لنفسه... فإنّه سيصبح غير مستقرٍّ وسيفقد تنظيمه مع مرور الزمن. أي أنّ أيّ نظام فيزيائيّ سيصبح عشوائيَّاً إذا لم يضبط بقوىً خارجيَّةٍ (خارج نطاق هذا النظام) مع الزمن، وهذا القانون العلميّ الذي يستخدمه الفيزيائيّون والكيميائيّون والمهندسون لتصميم المصانع والمفاعلات النوويّة هو قانونٌ صحيحٌ ودقيقٌ ولا غبار عليه، وهنا يكون هذا القانون بمثابة صفعةٍ جوابيّةٍ لكلّ مَن يدّعي بأنّ هذا الكون قد وجد بالصدفة وأنّه لا إله قد خلقه، وأنّه لا تُوجد قوىً وقدرةٌ إلهيّةٌ تنظّم وتسيّر هذا النظام الكونيّ المعقد؛ إذ إنّ هذا القانون يدحض هذا الادّعاء جملة وتفصيلاً...).
وثالثاً: هناك خلطٌ واضحٌ بين العدم وبين طاقة الفراغ، وبعبارة أخرى: هناك فرقٌ بين العدم الفلسفيّ وبين العدم الفيزيائيّ، فالعدم الفلسفي هو (غياب الوجود بالمطلق)، أي انعدام كلّ شيء، والفيزياء لا تبحث في هذا المفهوم من الأساس؛ لأنّها تبحث في الظواهر ضمن حدود الوجود وليس العدم، - ومن هنا - القول بأنَّ (العدم غير موجود) فيه خلطٌ بين فهمٍ فيزيائيٍّ مبنيٍّ على التجربة وبين مسألةٍ فلسفيّةٍ تتعلّق بماهيّة الوجود وأصله، وهذا الخلط يؤدّي إلى مغالطةٍ شائعةٍ، وهي الاعتقاد بأنّ كلّ ما لا يُرصَد تجريبيّاً لا وجود له، وهذا ليس صحيحاً فلسفيّاً؛ لأنّ هناك قضايا مثل الوجود نفسه لا تفسّرها أدوات الفيزياء أو التجارب.
وعليه، فإنّ طاقة الفراغ في الفيزياء لا تعني العدم، وإنّما تعني حالةً تحتوي على جسيماتٍ افتراضيّةٍ وطاقةٍ كامنةٍ، وتظهر بوصفها ظاهرةً عشوائيّةً بسبب التأثيرات الكموميّة، حيث تظهر وتختفي الجسيمات الافتراضيّة لمددٍ قصيرةٍ للغاية، ولكنّ هذا ليس عدماً حقيقيّاً، بل هو نوعٌ من الوجود الذي يحتوي على طاقةٍ وقوانين، فهو بالتالي ليس عدماً وإنّما هو حالةٌ غنيةٌ بالطاقة والظواهر الكموميّة، وهو مختلفٌ تماماً عن العدم المطلق. [للوقوف على معنى طاقة الفراغ، يمكن الرجوع لموسوعة الويكيبيديا].
أمّا قوله: (إذا كان العدم غير موجودٍ أساساً، فكيف أتى الكون من العدم؟) فقد أجبنا عنه في مقالٍ سابقٍ في مركزنا تحت عنوان (هل خلقنا الله من العدم؟).
ورابعاً: عندما يقول البعض: إنّ (وزن الكون ثابت)؛ ليبرهنوا على أنّ الكون لا يتغيّر، فإنّهم يخلطون بين فكرة الوزن أو الكتلة في الأجسام الماديّة وبين حالة الكون بأكمله، فلا يمكن التعامل مع الكون كتلةً واحدةً لها وزنٌ ثابتٌ بالمعنى البسيط؛ لأنّه نظامٌ ديناميكيٌّ يتوسّع ويتغيّر، وتوسّع الكون لا يعني زيادةً في الكتلة نفسها، بل يعني زيادةً في حجم المساحة التي تنتشر فيها هذه الكتلة. وعليه، حتّى لو بقيت كتلة الكون الإجماليّة ثابتةً، فهذا لا يعني أنّ الكون كان موجوداً منذ الأزل، فنظرية (الانفجار العظيم) تفيد بأنّ الكون بدأ من نقطةٍ كثيفةٍ وساخنةٍ للغاية قبل نحو 13.8 مليار سنة، ثمّ بدأ في التوسّع.
مثال على ذلك: تخيّل أنّ لديك قطعةً من العجين، فكتلة العجين نفسها تبقى ثابتةً إذا قمت بتمديدها وطرحها، فيتغيّر حجمها وشكلها وتبقى العجينة محافظة على كتلتها، وبالطريقة نفسها الكون يتوسّع وحالته تتغيّر، حتّى لو كانت الكتلة الإجماليّة للكون ثابتة، فإنّ هذا لا يعني أنّه أزليٌّ أو ثابت الشكل والحالة.
وخامساً: الادّعاء بأنّ الكون لم يأتِ من العدم بل من (طاقة الفراغ)، يثير إشكاليّة التفسير النهائيّ لأصل هذه الطاقة، حتّى لو افترضنا أنّ (طاقة الفراغ) كانت موجودة، يظلّ السؤال قائماً: من أين جاءت هذه الطاقة؟ وكيف وُجدت أصلاً؟ تفسير ظهور الكون عبر طاقة الفراغ يظلّ ناقصاً ولا يجيب عن السؤال الجوهريّ المتعلّق بسبب أو مصدر أصل هذا الفراغ.
فالمسألة هنا تكمن في أنّ بعض المفاهيم العلميّة تُستخدم لتفسير الظواهر داخل الكون، وليس لتفسير أصل الكون أو الوجود نفسه، بينما الخوض في أصل الكون يتطلّب أبعاداً تتجاوز الفيزياء التقليديّة، مثل الفلسفة وعلم الوجود؛ إذ إنّ العلم يُفسّر آليات ولا يقدّم علل وغايات.
اترك تعليق